[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم
قال
عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري:
نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه الحسنى، وصفاته العلا ; فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما; ونتبع ذلك ألفاظا كثر تردادها في الكتاب لم نر بعض السور أولى بها من بعض; ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن، دون تأويل مشكله: إذ كنا قد أفردنا للمشكل كتابا جامعا كافيا، بحمد الله.
* * *
وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا: أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل; وأن لا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل; وأن لا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث: لاحتجنا إلى أن نأتي بتفسير السلف - رحمة الله عليهم - بعينه; ولو أتينا بتلك الألفاظ كان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث; ولو تكلفنا بعد اقتصاص اختلافهم، وتبيين معانيهم، وفتق جملهم بألفاظنا، وموضع الاختيار من ذلك الاختلاف، وإقامة الدلائل عليه، والإخبار عن العلة فيه -: لأسهبنا في القول، وأطلنا الكتاب; وقطعنا منه طمع المتحفظ، وباعدناه من بغية المتأدب; وتكلفنا من نقل الحديث، ما قد وقيناه وكفيناه.
[ ص: 4 ] وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين. لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلفنا في شيء منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة، وأشبهها بقصة الآية.
ونبذنا منكر التأويل، ومنحول التفسير. فقد نحل قوم
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس، أنه قال في قول الله جل وعز:
nindex.php?page=tafseer&surano=81&ayano=1إذا الشمس كورت إنها غورت; من قول الناس بالفارسية: كور بكرد .
وقال آخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=76&ayano=18عينا فيها تسمى سلسبيلا أراد سلني سبيلا إليها يا محمد.
وقال الآخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=83&ayano=1ويل للمطففين إن الويل: واد في جهنم.
وقال الآخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=88&ayano=17أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت إن الإبل: السحاب.
[ ص: 5 ] وقال الآخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=102&ayano=8ثم لتسألن يومئذ عن النعيم -: إن النعيم: الماء الحار في الشتاء.
وقال الآخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=31خذوا زينتكم عند كل مسجد -: إن الزينة: المشط.
وقال آخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=72&ayano=18وأن المساجد لله إنها الآراب التي يسجد عليها المرء; وهي جبهته ويداه، وركبتاه وقدماه.
وقال الآخر في قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=282أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى أن تجعل كل واحدة منهما ذكرا; يريد: أنهما يقومان مقام رجل، فإحداهما تذكر الأخرى.
مع أشباه لهذا كثيرة; لا ندري: أمن جهة المفسرين لها وقع الغلط؟ أو من جهة النقلة؟
وبالله نستعين، وإياه نسأل التوفيق للصواب.
[ ص: 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ:
نَفْتَتِحُ كِتَابَنَا هَذَا بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلَا ; فَنُخْبِرُ بِتَأْوِيلِهِمَا وَاشْتِقَاقِهِمَا; وَنُتْبِعُ ذَلِكَ أَلْفَاظًا كَثُرَ تَرْدَادُهَا فِي الْكِتَابِ لَمْ نَرَ بَعْضَ السُّوَرِ أَوْلَى بِهَا مِنْ بَعْضٍ; ثُمَّ نَبْتَدِئُ فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ الْقُرْآنِ، دُونَ تَأْوِيلِ مُشْكِلِهِ: إِذْ كُنَّا قَدْ أَفْرَدْنَا لِلْمُشْكِلِ كِتَابًا جَامِعًا كَافِيًا، بِحَمْدِ اللَّهِ.
* * *
وَغَرَضْنَا الَّذِي امْتَثَلْنَاهُ فِي كُتَّابِنَا هَذَا: أَنْ نَخْتَصِرَ وَنُكْمِلَ، وَأَنْ نُوَضِّحَ وَنُجْمِلَ; وَأَنْ لَا نَسْتَشْهِدَ عَلَى اللَّفْظِ الْمُبْتَذَلِ، وَلَا نُكْثِرَ الدِّلَالَةَ عَلَى الْحَرْفِ الْمُسْتَعْمَلِ; وَأَنْ لَا نَحْشُوَ كُتَّابَنَا بِالنَّحْوِ وَبِالْحَدِيثِ وَالْأَسَانِيدِ. فَإِنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ: لَاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَأْتِيَ بِتَفْسِيرِ السَّلَفِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بِعَيْنِهِ; وَلَوْ أَتَيْنَا بِتِلْكَ الْأَلِفَاظِ كَانَ كُتَّابُنَا كَسَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي أَلَّفَهَا نَقَلَةُ الْحَدِيثِ; وَلَوْ تَكَلَّفْنَا بَعْدُ اقْتِصَاصَ اخْتِلَافِهِمْ، وَتَبْيِينَ مَعَانِيهِمْ، وَفَتْقَ جُمَلِهِمْ بِأَلْفَاظِنَا، وَمَوْضِعَ الِاخْتِيَارِ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، وَإِقَامَةَ الدَّلَائِلَ عَلَيْهِ، وَالْإِخْبَارَ عَنِ الْعِلَّةِ فِيهِ -: لَأَسْهَبْنَا فِي الْقَوْلِ، وَأَطَلْنَا الْكِتَابَ; وَقَطَعْنَا مِنْهُ طَمَعَ الْمُتَحَفِّظِ، وَبَاعَدْنَاهُ مِنْ بُغْيَةِ الْمُتَأَدِّبِ; وَتَكَلَّفْنَا مِنْ نَقْلِ الْحَدِيثِ، مَا قَدْ وُقِينَاهُ وَكُفِينَاهُ.
[ ص: 4 ] وَكِتَابُنَا هَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكُتُبِ أَصْحَابِ اللُّغَةِ الْعَالِمِينَ. لَمْ نَخْرُجْ فِيهِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَلَا تَكَلَّفْنَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِآرَائِنَا غَيْرَ مَعَانِيهِمْ، بَعْدَ اخْتِيَارِنَا فِي الْحَرْفِ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ فِي اللُّغَةِ، وَأَشْبَهَهَا بِقِصَّةِ الْآيَةِ.
وَنَبَذْنَا مُنْكَرَ التَّأْوِيلِ، وَمَنْحُولَ التَّفْسِيرِ. فَقَدْ نَحَلَ قَوْمٌ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنَ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ:
nindex.php?page=tafseer&surano=81&ayano=1إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِنَّهَا غُوِّرِتْ; مِنْ قَوْلِ النَّاسِ بِالْفَارِسِيَّةِ: كُورْ بِكِرْدَ .
وَقَالَ آخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=76&ayano=18عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا أَرَادَ سَلْنِي سَبِيلًا إِلَيْهَا يَا مُحَمَّدُ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=83&ayano=1وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ إِنَّ الْوَيْلَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=88&ayano=17أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ إِنَّ الْإِبِلَ: السَّحَابُ.
[ ص: 5 ] وَقَالَ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=102&ayano=8ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ -: إِنَّ النَّعِيمَ: الْمَاءُ الْحَارُّ فِي الشِّتَاءِ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=31خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ -: إِنَّ الزِّينَةَ: الْمُشْطُ.
وَقَالَ آخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=72&ayano=18وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ إِنَّهَا الْآرَابُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ; وَهِيَ جَبْهَتُهُ وَيَدَاهُ، وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=282أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى أَنْ تُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ذِكْرًا; يُرِيدُ: أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، فَإِحْدَاهُمَا تُذَكِّرُ الْأُخْرَى.
مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ; لَا نَدْرِي: أَمِنْ جِهَةِ الْمُفَسِّرِينَ لَهَا وَقَعَ الْغَلَطُ؟ أَوْ مِنْ جِهَةِ النَّقَلَةِ؟
وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ.