وأيضا فكل مسلم يعلم من نفسه أن هذه الشدائد العامة لم يتركها هو وأصحابه لشخص معين، بل دعوا الله سبحانه كما يدعونه عند الاستسقاء، وكما يدعونه عند الاستنصار على الأعداء، لا أحد يرفع أمره إلى غير الله، اللهم إلا ما يقوله بعض الناس لبعض كما جرت به العادة، فمن الأدنى الذي يرفع هذه الأمور إلى الأعلى؟
وأيضا فقد أخبر الله عن المشركين أنهم يدعونه إذا مسهم الضر مخلصين له الدين، فيجيبهم، قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=67وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا . وقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=12وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين [ ص: 109 ] ما كانوا يعملون . وقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=65فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=66ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون . ونظائره في القرآن كثيرة.
وقد قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ، فهو سبحانه قريب مجيب.
وفي الصحيحين
nindex.php?page=hadith&LINKID=653883أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
وقد قال الخليل:
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=39إن ربي لسميع الدعاء ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون في الصلاة: "سمع الله لمن حمده". فإذا كان هو سبحانه سميع الدعاء، مجيبا لدعوة عباده، قريبا منهم، يجيب الكفار إذا دعوه مضطرين، فكيف يحوج عباده المؤمنين إلى وسائط في رفع حوائجهم إليه كما يفعله الملوك؟
nindex.php?page=treesubj&link=30355وهو سبحانه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم حاجب [ ص: 110 ] ولا ترجمان، كما في الصحيح عن
nindex.php?page=showalam&ids=76عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=656889 "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة".
والمصلي يقول في الصلاة:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=5إياك نعبد وإياك نستعين . وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=666977 "إن المصلي يناجي ربه"، وقال : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه". فإذا كان العبد يناجي ربه ويخاطبه، والله يسمع كلامه ويجيب دعاءه، فأين حاجته إلى الوسائط التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ التي يعلم كل عاقل من أهل الإيمان أنها من تأويل أهل الشرك والبهتان. وشواهد هذه الأصول كثيرة، قد بسطت في غير هذا الموضع.
والكتاب والسنة مملوء بما يناقض دعوى هؤلاء المفترين.
[ ص: 111 ]
وهذا كله- الذي عليه هم- شعبة قوية من شعب دين النصارى، الذين
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=31اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .
وقد أمرنا الله أن نقول في صلواتنا:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=6اهدنا الصراط المستقيم nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=7صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
nindex.php?page=hadith&LINKID=665248 "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" . فاليهود شبهوا الخالق بخلقه، فوصفوه بصفات النقص والعيب، كالفقر والبخل واللغوب. والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق، فوصفوه بصفات الإلهية التي لا يستحقها إلا الله، حتى أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ولهذا قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=17لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا .
وقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=75المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله [ ص: 112 ] الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام .
وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=653189 "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". وقد حسم - صلى الله عليه وسلم - مواد الشرك قولا وعملا، حتى قال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=678622 "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد" . وقال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=707584 "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" . وقال:
nindex.php?page=hadith&LINKID=651301 "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما فعلوا .
وقال قبل أن يموت بخمس:
nindex.php?page=hadith&LINKID=99788 "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون [ ص: 113 ] القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" . ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها .
nindex.php?page=treesubj&link=28685
والله سبحانه لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا وإن كان بدأ باسمه بالسؤال أحدا، فلم يأمره به، بل قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=94&ayano=7فإذا فرغت فانصب nindex.php?page=tafseer&surano=94&ayano=8وإلى ربك فارغب . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=11لابن عباس: nindex.php?page=hadith&LINKID=664810 "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" .
وفي الصحيح عنه أنه قال في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب:
nindex.php?page=hadith&LINKID=657329 "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فجعل من فضائلهم أنهم لا يطلبون من غيرهم رقية وإن كانت الرقية دعاء. فهذا وصف خواص عباد الله. وهذا باب واسع، قد بسط في غير هذا الموضع .
[ ص: 114 ]
وغاية ما يراد بالمشايخ الصالحين ما يراد من الأنبياء والمرسلين، والمراد منهم تبليغ رسالات الله وهداية عباد الله، والدعوة إلى الله، هذا هو المقصود الأعظم. ولهم أيضا من الدعاء لعباد الله والشفاعة لهم ما هو من الأمور المطلوبة، لكن الأمر كله لله، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.
ودعاء الله من الأنبياء والمؤمنين للعبد هو من نعم الله عليه، وأسعد الناس بذلك أعظم إخلاصا لله وتوكلا عليه، كما في الصحيح
nindex.php?page=hadith&LINKID=650097أن nindex.php?page=showalam&ids=3أبا هريرة قال: يا رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد قبلك، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله". nindex.php?page=treesubj&link=19648
فالعبد مأمور أن لا يتوكل إلا على الله، ولا يرغب إلا إليه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يعمل إلا له. والله ييسر له من الأسباب ما لم يكن له في حساب، فإنه سبحانه يتولى الصالحين، وهو كاف عبده، وقد قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=64يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، فهو وحده كاف عباده لا يحتاج إلى ظهير ولا شريك. قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=111وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من [ ص: 115 ] الذل . فإن المخلوق ذليل يتولى من يتولاه لذله، فإنه إن لم يكن له من يعينه وينصره عجز وذل، وقهره عدوه. والله تعالى لا يوالي عباده من الذل، بل برحمته وفضله وجوده وإحسانه، وهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه،
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=29يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن . قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=22قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=23ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له .
وقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=26وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=27لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=28يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون . وقال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=93إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=94لقد أحصاهم وعدهم عدا nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=95وكلهم آتيه يوم القيامة فردا .
وهذا كثير في كتاب الله، والله سبحانه أعلم. كتبه
أحمد بن تيمية.
وَأَيْضًا فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ هَذِهِ الشَّدَائِدَ الْعَامَّةَ لَمْ يَتْرُكْهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ دَعَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَمَا يَدْعُونَهُ عِنْدَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَمَا يَدْعُونَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْصَارِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، لَا أَحَدَ يَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَمَنِ الْأَدْنَى الَّذِي يَرْفَعُ هَذِهِ الْأُمُورَ إِلَى الْأَعْلَى؟
وَأَيْضًا فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَيُجِيبُهُمْ، قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=67وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا . وَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=12وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ [ ص: 109 ] مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=65فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=66لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ
nindex.php?page=hadith&LINKID=653883أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ".
وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=39إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الصَّلَاةِ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". فَإِذَا كَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ سَمِيعَ الدُّعَاءِ، مُجِيبًا لِدَعْوَةِ عِبَادِهِ، قَرِيبًا مِنْهُمْ، يُجِيبُ الْكُفَّارَ إِذَا دَعَوْهُ مُضْطَرِّينَ، فَكَيْفَ يُحْوِجُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وَسَائِطَ فِي رَفْعِ حَوَائِجِهِمْ إِلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُلُوكُ؟
nindex.php?page=treesubj&link=30355وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَاجِبٌ [ ص: 110 ] وَلَا تُرْجُمَانَ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=76عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=656889 "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِبٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
وَالْمُصَلِّي يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=5إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=666977 "إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ"، وَقَالَ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ". فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَيُخَاطِبُهُ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ، فَأَيْنَ حَاجَتُهُ إِلَى الْوَسَائِطِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؟ الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَنَّهَا مِنْ تَأْوِيلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبُهْتَانِ. وَشَوَاهِدُ هَذِهِ الْأُصُولِ كَثِيرَةٌ، قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءٌ بِمَا يُنَاقِضُ دَعْوَى هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ.
[ ص: 111 ]
وَهَذَا كُلُّهُ- الَّذِي عَلَيْهِ هُمْ- شُعْبَةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ شُعَبِ دِينِ النَّصَارَى، الَّذِينَ
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=31اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .
وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَقُولَ فِي صَلَوَاتِنَا:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=6اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=7صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
nindex.php?page=hadith&LINKID=665248 "الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ" . فَالْيَهُودُ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِخَلْقِهِ، فَوَصَفُوهُ بِصِفَاتِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، كَالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَاللُّغُوبِ. وَالنَّصَارَى شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ، فَوَصَفُوهُ بِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=17لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهَ شَيْئًا إِنَّ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا .
وَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=75الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ [ ص: 112 ] الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=653189 "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". وَقَدْ حَسَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوَادَّ الشِّرْكِ قَوْلًا وَعَمَلًا، حَتَّى قَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=678622 "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ" . وَقَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=707584 "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" . وَقَالَ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=651301 "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا .
وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=99788 "إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ [ ص: 113 ] الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ" . وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا .
nindex.php?page=treesubj&link=28685
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَأْمُرْ مَخْلُوقًا أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا وَإِنْ كَانَ بَدَأَ بِاسْمِهِ بِالسُّؤَالِ أَحَدًا، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، بَلْ قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=94&ayano=7فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ nindex.php?page=tafseer&surano=94&ayano=8وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11لِابْنِ عَبَّاسٍ: nindex.php?page=hadith&LINKID=664810 "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ" .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ:
nindex.php?page=hadith&LINKID=657329 "هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَجُعِلَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ رُقْيَةً وَإِنْ كَانَتِ الرُّقْيَةُ دُعَاءً. فَهَذَا وَصْفُ خَوَاصِّ عِبَادِ اللَّهِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
[ ص: 114 ]
وَغَايَةُ مَا يُرَادُ بِالْمَشَايِخِ الصَّالِحِينَ مَا يُرَادُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَهِدَايَةُ عِبَادِ اللَّهِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ. وَلَهُمْ أَيْضًا مِنَ الدُّعَاءِ لِعِبَادِ اللَّهِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ مَا هُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا.
وَدُعَاءُ اللَّهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِلْعَبْدِ هُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِذَلِكَ أَعْظَمُ إِخْلَاصًا لِلَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ
nindex.php?page=hadith&LINKID=650097أَنَّ nindex.php?page=showalam&ids=3أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ قَبْلَكَ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ". nindex.php?page=treesubj&link=19648
فَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَرْغَبَ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يَخَافَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَعْمَلَ إِلَّا لَهُ. وَاللَّهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي حِسَابٍ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَهُوَ كَافٍ عَبْدَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=64يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ حَسْبُكَ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ، فَهُوَ وَحْدَهُ كَافٍ عِبَادَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ظَهِيرٍ وَلَا شَرِيكٍ. قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=111وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ [ ص: 115 ] الذُّلِّ . فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ ذَلِيلٌ يَتَوَلَّى مَنْ يَتَوَلَّاهُ لِذُلِّهِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُعِينُهُ وَيَنْصُرُهُ عَجَزَ وَذَلَّ، وَقَهَرَهُ عَدُوُّهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوَالِي عِبَادَهُ مِنَ الذُّلِّ، بَلْ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ،
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=29يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=22قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=23وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ .
وَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=26وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=27لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=28يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . وَقَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=93إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=94لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=95وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا .
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ
أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ.