ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها .
والإملاك ربط عقد النكاح ، ومن ملح هذه المادة أن جميع تقاليبها الستة مستعملة في اللسان ، وكلها راجع إلى معنى القوة والشدة ، فبينها كلها قدر مشترك ، وهذا يسمى بالاشتقاق الأكبر ، ولم يذهب إليه غير أبي الفتح . وكان أبو علي الفارسي يأنس به في بعض المواضع ، وتلك التقاليب : ملك ، مكل ، كمكل ، لكم ، كمل ، كلم . وزعم أن تقليب كمكل مهمل وليس بصحيح ، بل هو مستعمل بدليل ما أنشد [ ص: 21 ] الفخر الرازي الفراء من قول الشاعر :
فلما رآني قد حممت ارتحاله تملك لو يجدي عليه التملك .
والملك هو القهر والتسليط على من تتأتى منه الطاعة ، ويكون ذلك باستحقاق وبغير استحقاق . والملك هو القهر على من تتأتى منه الطاعة ومن لا تتأتى منه ، ويكون ذلك منه باستحقاق ، فبينهما عموم وخصوص من وجه . وقال الأخفش : يقال ملك من الملك بضم الميم ، ومالك من الملك بكسر الميم وفتحها ، وزعموا أن ضم الميم لغة في هذا المعنى . وروي عن بعض البغداديين لي في هذا الوادي ملك وملك بمعنى واحد .
( يوم ) اليوم هو المدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ويطلق على مطلق الوقت ، وتركيبه غريب ، أعني وجود مادة تكون فاء الكلمة فيها ياء وعينها واوا لم يأت من ذلك سوى يوم وتصاريفه ويوح اسم للشمس ، وبعضهم زعم أنه بوج بالباء والمعجمة بواحدة من أسفل .
( الدين ) الجزاء ، دناهم كما دانوا ، قاله قتادة ، والحساب ( ذلك الدين القيم ) ، قاله ، والقضاء ( ابن عباس ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) ، والطاعة في دين عمرو ، وحالت بيننا وبينك فدك ، قاله أبو الفضل ، والعادة ، كدينك من أم الحويرث قبلها ، وكنى بها هنا عن العمل ، قاله الفراء ، والملة ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( إن الدين عند الله الإسلام ) ، والقهر ومنه المدين للعبد والمدينة للأمة ، قاله يمان بن رئاب . وقال أبو عمرو الزاهد : وإن أطاع وعصى وذل وعز وقهر وجار وملك . وحكى أهل اللغة : دنته بفعله دينا بفتح الدال وكسرها جازيته . وقيل : الدين المصدر ، والدين بالكسر الاسم ، والدين السياسة ، والديان السايس . قال ذو الإصبع عنه : ولا أنت دياني فتخزوني ، والدين الحال . قال : سألت أعرابيا عن شيء فقال : لو لقيتني على دين غير هذا لأخبرتك ، والدين الداء ، عن النضر بن شميل اللحياني ، وأنشد :
يا دين قلبك من سلمى وقد دينا
ومن قرأ بجر الكاف فعلى معنى الصفة ، فإن كان بلفظ ملك على فعل بكسر العين أو إسكانها ، أو مليك بمعناه فظاهر لأنه وصف معرفة بمعرفة ، وإن كان بلفظ مالك أو ملاك أو مليك محولين من مالك للمبالغة بالمعرفة ، ويدل عليه قراءة من قرأ ملك يوم الدين فعلا ماضيا ، وإن كان بمعنى الاستقبال ، وهو الظاهر لأن اليوم لم يوجد فهو مشكل ; لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فإنه تكون إضافته غير محضة فلا يتعرف بالإضافة ، وإن أضيف إلى معرفة فلا يكون إذ ذاك صفة لأن المعرفة لا توصف بالنكرة ولا بدل نكرة من معرفة ; لأن البدل بالصفات ضعيف . ( وحل هذا الإشكال ) هو أن اسم الفاعل إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال جاز فيه وجهان : أحدهما : ما قدمناه من أنه لا يتعرف بما أضيف إليه ، إذ يكون منويا فيه الانفصال من الإضافة ، ولأنه عمل النصب لفظا . الثاني : أن يتعرف به إذا كان معرفة ، فيلحظ فيه أن الموصوف صار معروفا بهذا الوصف ، وكان تقييده بالزمان غير معتبر ، وهذا الوجه غريب النقل ، لا يعرفه إلا من له اطلاع على كتاب وتنقيب عن لطائفه . قال سيبويه - رحمه الله تعالى - : وزعم سيبويه يونس والخليل أن الصفات المضافة التي صارت صفة للنكرة قد يجوز فيهن كلهن أن يكن معرفة ، وذلك معروف في كلام العرب ، انتهى . واستثنى من ذلك باب الصفة المشبهة فقط ، فإنه لا يتعرف بالإضافة نحو حسن الوجه . ومن رفع الكاف ونون أو لم ينون فعلى القطع إلى الرفع ، ومن نصب فعلى القطع إلى النصب ، أو على النداء ، والقطع أغرب لتناسق الصفات ، إذ لم يخرج بالقطع عنها . ومن قرأ ملك فعلا ماضيا فجملة خبرية لا موضع لها من الإعراب ، ومن أشبع كسرة الكاف فقد قرأ بنادر أو بما ذكر أنه لا يجوز إلا في الشعر ، وإضافة الملك أو الملك إلى يوم الدين إنما هو من باب الاتساع ، إذ متعلقهما غير اليوم ، والإضافة على معنى اللام لا على معنى في ، خلافا لمن أثبت الإضافة بمعنى في ، ويبحث في تقرير هذا في النحو ، [ ص: 22 ] وإذا كان من الملك كان من باب :
طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
. وظاهر اللغة تغاير الملك والمالك كما تقدم ، وقيل : هما بمعنى واحد كالفره والفاره ، فإذا قلنا بالتغاير فقيل مالك أمدح لحسن إضافته إلى من لا تحسن إضافة الملك إليه ، نحو مالك الجن والإنس والملائكة والطير ، فهو أوسع لشمول العقلاء وغيرهم ، قال الشاعر :سبحان من عنت الوجوه لوجهه ملك الملوك ومالك العفر .
قال الأخفش : ولا يقال هنا ملك ، ولقولهم مالك الشيء لمن يملكه ، وقد يكون ملكا لا مالكا نحو ملك العرب والعجم ، قاله أبو حاتم ، ولزيادته في البناء ، والعرب تعظم بالزيادة في البناء ، وللزيادة في أجزاء الثاني لزيادة الحروف ، ولكثرة من عليها من القراء ، ولتمكن التصرف ببيع وهبة وتمليك ، ولإبقاء الملك في يد المالك إذا تصرف بجور أو اعتداء أو سرف ، ولتعينه في يوم القيامة ، ولعدم قدرة الملوك على انتزاعه من الملك ، ولكثرة رجائه في سيده بطلب ما يحتاج إليه ولوجوب خدمته عليه ، ولأن المالك يطمع فيه ، والملك يطمع فيك ، ولأن له رأفة ورحمة ، والملك له هيبة وسياسة . وقيل : ملك أمدح وأليق إن لم يوصف به الله - تعالى - لإشعاره بالكثرة ولتمدحه بمالك الملك ، ولم يقل مالك الملك ، ولتوافق الابتداء والاختتام في قوله ( ملك الناس ) ، والاختتام لا يكون إلا بأشرف الأسماء ، ولدخول المالك تحت حكم الملك ، ولوصفه نفسه بالملك في مواضع ، ولعموم تصرفه فيمن حوته مملكته ، وقصر الملك على ملكه ، قاله أبو عبيدة ، ولعدم احتياج الملك إلى الإضافة ، أو مالك لا بد له من الإضافة إلى مملوك ، ولكنه أعظم الناس ، فكان أشرف من المالك . قال أبو علي : حكى ابن السراج عمن اختار قراءة ملك كل شيء بقوله ( رب العالمين ) ، فقراءة مالك تقرير ، قال أبو علي : ولا حجة في هذا ، لأن في التنزيل تقدم العام ، ثم ذكر الخاص منه ( الخالق البارئ المصور ) ، فالخالق يعم ، وذكر المصور لما في ذلك من التنبيه على الصنعة ووجوه الحكمة ، ومنه ( وبالآخرة هم يوقنون ) بعد قوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) ، وإنما كررها تعظيما لها ، وتنبيها على وجوب اعتقادها ، والرد على الكفرة الملحدين ، ومنه الرحمن الرحيم ، ذكر الرحمن الذي هو عام ، وذكر الرحيم بعده لتخصيص الرحمة بالمؤمنين في قوله ( وكان بالمؤمنين رحيما ) ، انتهى . وقال ابن عطية : وأيضا فإن الرب يتصرف في كلام العرب بمعنى الملك ، كقوله :
ومن قبل ربيتني فصفت ربوب
وغير ذلك من الشواهد ، فتنعكس الحجة على من قرأ ملك . والمراد باليوم الذي أضيف إليه مالك أو ملك زمان ممتد إلى أن ينقضي الحساب ويستقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها ، ومتعلق المضاف إليه في الحقيقة هو الأمر ، كأنه قال مالك أو ملك الأمر في يوم الدين . لكنه لما كان اليوم ظرفا للأمر جاز أن يتسع فيتسلط عليه الملك أو المالك ; لأن الاستيلاء على الظرف استيلاء على المظروف . وفائدة تخصيص هذه الإضافة ، وإن كان الله - تعالى - مالك الأزمنة كلها والأمكنة ومن حلها والملك فيها التنبيه على عظم هذا اليوم بما يقع فيه من الأمور العظام والأهوال الجسام من قيامهم فيه لله - تعالى - والاستشفاع لتعجيل الحساب والفصل بين المحسن والمسيء واستقرارهما فيما وعدهما الله - تعالى - به ، أو على أنه يوم يرجع فيه إلى الله جميع ما ملكه لعباده وخولهم فيه ويزول فيه ملك كل مالك ، قال - تعالى - : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) ، ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) . قال ابن السراج : إن مالك يوم الدين ) إنه يملك مجيئه ووقوعه ، فالإضافة إلى اليوم على قوله إضافة إلى المفعول به على الحقيقة ، وليس ظرفا اتسع فيه ، وما فسر به الدين من المعاني يصح إضافة اليوم إليه إلى معنى كل منها إلا الملة ، قال معنى ( ابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم : يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال والحساب . قال وابن جريج أبو علي : ويدل على ذلك ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) ، و ( اليوم تجزون [ ص: 23 ] ما كنتم تعملون ) . وقال مجاهد : يوم الدين يوم الحساب مدينين محاسبين ، وفي قوله : ( مالك يوم الدين ) دلالة على ، ولما اتصف - تعالى - بالرحمة انبسط العبد وغلب عليه الرجاء ، فنبه بصفة الملك أو المالك ليكون من عمله على وجل ، وأن لعمله يوما تظهر له فيه ثمرته من خير وشر . إثبات المعاد والحشر والحساب