قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
ظاهر هذه الآية الكريمة : أن
nindex.php?page=treesubj&link=29468_30364الله جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة . حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره ، فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار .
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : رسلا
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=165مبشرين [ ص: 66 ] ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ 4 \ 165 ] ، فصرح في هذه الآية الكريمة بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل ، مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم النار .
وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ، بينها في آخر سورة طه بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=134ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [ 20 \ 134 ] .
وأشار لها في سورة القصص بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=47ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين [ 28 \ 47 ] ، وقوله جل وعلا :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=131ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون [ 6 \ 131 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=19ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير الآية [ 5 \ 19 ] ، وكقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=155وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=156أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=157أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة الآية [ 6 \ 155 - 157 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن
nindex.php?page=treesubj&link=29468_30364الله جل وعلا لا يعذب أحدا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة : " بأن لم يدخل أحدا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل ، فمن ذلك قوله جل وعلا :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=9قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء الآية [ 67 \ 8 ، 9 ] .
ومعلوم أن قوله جل وعلا : كلما ألقي فيها فوج يعم جميع الأفواج الملقين في النار .
قال
أبو حيان في " البحر المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه : " وكلما " تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين ، ومن ذلك قوله جل وعلا :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=71وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا [ ص: 67 ] بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [ 39 \ 71 ] ، وقوله في هذه الآية : وسيق الذين كفروا عام لجميع الكفار .
وقد تقرر في الأصول : أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم ، لعمومها في كل ما تشمله صلاتها ، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم :
صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع
ومراده بالبيت : أن لفظة " كل ، وجميع ، والذي ، والتي " وفروعهما كل ذلك من الصيغ العموم ، فقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=71وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا - إلى قوله - قالوا بلى [ 39 \ 71 ] عام في جميع الكفار ، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا ، فعصوا أمر ربهم كما هو واضح .
ونظيره أيضا قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=36والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=37وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [ 35 \ 36 ] ، فقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=36والذين كفروا لهم نار جهنم - إلى قوله -
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=37وجاءكم النذير [ 35 \ 37 ] ، عام أيضا في جميع أهل النار ، كما تقدم إيضاحه قريبا .
ونظير ذلك قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=49وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=50أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال [ 40 \ 49 ، 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا .
وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر ، وبهذا قالت جماعة من أهل العلم .
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير ، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله ، وبأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=18ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ 4 \ 18 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=161إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [ 2 \ 161 ] ، وقوله : إن
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=91الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من [ ص: 68 ] أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 3 \ 91 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=48إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ 4 \ 48 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=31ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق [ 22 \ 31 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=72إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=50قالوا إن الله حرمهما على الكافرين [ 7 \ 50 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وظاهر جميع هذه الآيات العموم ، لأنها لم تخصص كافرا دون كافر ، بل ظاهرها شمول جميع الكفار .
ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه
مسلم في صحيحه : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=12508أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا
عفان ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=15744حماد بن سلمة ، عن
ثابت ، عن
أنس :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007971أن رجلا قال : يا رسول الله ، أين أبي ؟ قال : " في النار " فلما قفى دعاه فقال : " إن أبي وأباك في النار " اه . وقال
مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا : حدثنا
يحيى بن أيوب ،
nindex.php?page=showalam&ids=16984ومحمد بن عباد - واللفظ
ليحيى - قالا : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=17070مروان بن معاوية ، عن
يزيد - يعني ابن كيسان - عن
أبي حازم ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007972استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي " ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=12508أبو بكر بن أبي شيبة ،
nindex.php?page=showalam&ids=11997وزهير بن حرب ، قالا : حدثنا
محمد بن عبيد ، عن
يزيد بن كيسان ، عن
أبي حازم ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007973زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله . فقال : " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " اه ، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة .
وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول :
nindex.php?page=treesubj&link=30584هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم ، أو معذورون بالفترة ؟ وعقده في " مراقي السعود " بقوله :
ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع
وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار :
النووي في شرح
مسلم ، وحكى عليه
القرافي في شرح التنقيح الإجماع ، كما نقله عنه صاحب " نشر البنود " .
وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] من أربعة أوجه :
الأول : أن التعذيب المنفي في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين الآية ، وأمثالها من
[ ص: 69 ] الآيات ، إنما هو التعذيب الدنيوي ، كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم
نوح ، وقوم
هود ، وقوم
صالح ، وقوم
لوط ، وقوم
شعيب ، وقوم
موسى وأمثالهم ، وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة .
ونسب هذا القول
القرطبي ،
وأبو حيان ،
والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور .
والوجه الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين الآية ، وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل ، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ; لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار ، ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ، كما قال عن قوم
إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام :
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=65لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [ 21 \ 65 ] ، وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده ، لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر ، كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=65فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين الآية [ 29 \ 65 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=31&ayano=32وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين الآية [ 31 \ 32 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=67وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه الآية [ 17 \ 67 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم ، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله ; مع أن العقل يقطع بنفي ذلك .
الوجه الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ;
كإبراهيم وغيره ، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك ، وجزم بهذا
النووي في شرح
مسلم ، ومال إليه
العبادي في ( الآيات البينات ) .
الوجه الرابع : ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار ، كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح
مسلم وغيره .
وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة ، فأجابوا عن الوجه الأول ، وهو كون التعذيب في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين :
الأول : أنه خلاف ظاهر القرآن ; لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقا ، فهو أعم
[ ص: 70 ] من كونه في الدنيا ، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه .
الوجه الثاني : أن القرآن دل في آيات كثيرة عن شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة ; كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=9قالوا بلى [ 67 \ 8 ، 9 ] ، وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل ، كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية .
وأجابوا عن الوجه الثاني : وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد بنفس الجوابين المذكورين آنفا ; لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن ، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه ، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا ، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح ، كما تقدم إيضاحه .
وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به
النووي ، ومال إليه
العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك ، لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه ; لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفيا باتا في آيات كثيرة ، كقوله في " يس " :
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=6لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ 36 \ 6 ] و " ما " في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=6ما أنذر آباؤهم [ 36 \ 6 ] نافية على التحقيق ، لا موصولة ، وتدل لذلك الفاء في قوله : فهم غافلون ، وكقوله في " القصص " :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=46وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك الآية [ 28 \ 46 ] ، وكقوله في " سبأ " وما
nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=44آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير [ 34 \ 44 ] ، وكقوله في " الم السجدة " :
nindex.php?page=tafseer&surano=32&ayano=3أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك الآية [ 32 \ 3 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأجابوا عن الوجه الرابع : بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح
مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع ، وهو قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [ 67 \ 8 - 9 ] ، ونحو ذلك من الآيات .
وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=18ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ 4 \ 18 ] ، إلى آخر ما تقدم
[ ص: 71 ] من الآيات ، بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم ، بدليل قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] . وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم : إن القاطع الذي هو قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة ، كحديثي
مسلم في صحيحه المتقدمين بأن الآية عامة ، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين ، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص ; لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور ، خلافا
لأبي حنيفة رحمه الله ، كما بيناه في غير هذا الموضع .
فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم ، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلا في العموم ، كما تقرر في الأصول .
وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام ; لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف ، وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل ، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها ، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها ، كما بينه بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=165رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل الآية [ 4 \ 165 ] ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=134ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [ 20 \ 134 ] ، كما تقدم إيضاحه .
وأجاب المخالفون عن هذا : بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة ، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا ، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها ، فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول . بـ " النقض " تخصيص للعلة ، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام ; أي قصره على بعض أفراده بدليل ، والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة ، أو تخصيص لها معروف في الأصول ، وعقد الأقوال في ذلك صاحب " مراقي السعود " بقوله في مبحث القوادح :
منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم
[ ص: 72 ] والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع
فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض : هل هو تخصيص ، أو إبطال للعلة ، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة .
واختار بعض المحققين من أهل الأصول : أن
nindex.php?page=treesubj&link=22014تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة ، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة ، وإلا فهو نقض وإبطال لها ، فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعا .
فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان ، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعا من تأثير العلة في الحكم ، فلا يقال هذه العلة منقوضة ، لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة ، بل هي علة منع من تأثيرها مانع ، فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع .
وكذلك من زوج أمته من رجل ، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها ، فإن الولد يكون حرا ، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعا ; لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها ; لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد .
وكذلك الزنى ; فإنه علم للرجم إجماعا .
فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هي الرجم ، ونعني بذلك الشرط الإحصان ، فلا يقال إنها علة منقوضة ، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها ، وأمثال هذا كثيرة جدا ، هكذا قاله بعض المحققين .
قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر : أن آية " الحشر " دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقا ، والله تعالى أعلم ، ونعني بآية " الحشر " قوله تعالى في
بني النضير :
nindex.php?page=tafseer&surano=59&ayano=3ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار [ 59 \ 3 ] .
[ ص: 73 ] ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=59&ayano=4ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الآية [ 59 \ 4 ] ، وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله ، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به
بنو النضير ، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ورسوله .
فدل ذلك على أن
nindex.php?page=treesubj&link=21935_21773_22014تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها ، والعلم عند الله تعالى .
أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا ، فهو تخصيص للعلة إجماعا لا نقض لها ، كما أشار له في الأبيات بقوله :
والوفق في مثل العرايا قد وقع
قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي : هل
nindex.php?page=treesubj&link=30584يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا ، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها ، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا ; لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل .
وإنما قلنا : إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين :
الأول : أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبوته عنه نص في محل النزاع ; فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك .
قال
الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة ، رادا على
nindex.php?page=showalam&ids=13332ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل ، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ما نصه :
والجواب عما قال : أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها ، وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء ، فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ
nindex.php?page=showalam&ids=13711أبو الحسن الأشعري عن مذهب
أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال ، وقد قال تعالى : يوم
nindex.php?page=tafseer&surano=68&ayano=42يكشف عن ساق [ ص: 74 ] ويدعون إلى السجود [ 68 \ 42 ] .
وقد ثبت في الصحاح وغيرها : "
أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا ، كلما أراد السجود خر لقفاه " ، وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها : "
أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك منه ، ويقول الله تعالى : يابن آدم ، ما أعذرك ! ثم يأذن له في دخول الجنة " وأما قوله : فكيف يكلفهم الله دخول النار ، وليس ذلك في وسعهم ؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث . "
فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب . ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوس على وجهه في النار " وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم وأعظما
وأيضا : فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه بردا وسلاما ، فهذا نظير ذلك .
وأيضا : فإن الله تعالى أمر
بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه ، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم ; وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل ، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور . والله أعلم . انتهى كلام
ابن كثير بلفظه .
وقال
ابن كثير رحمه الله تعالى أيضا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه :
ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر ، فمن أطاع دخل الجنة ، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة ، ومن عصى دخل النار داخرا ، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .
وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة ، الشاهد بعضها لبعض .
وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ
nindex.php?page=showalam&ids=13711أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن
أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نصره الحافظ
nindex.php?page=showalam&ids=13933أبو بكر البيهقي في كتاب ( الاعتقاد ) وكذلك غيره
[ ص: 75 ] من محققي العلماء والحفاظ والنقاد . انتهى محل الغرض من كلام
ابن كثير رحمه الله تعالى ، وهو واضح جدا فيما ذكرنا .
الأمر الثاني : أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف ; لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان ، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان ، ويتفق بذلك جميع الأدلة ، والعلم عند الله تعالى .
ولا يخفى أن مثل قول
nindex.php?page=showalam&ids=13332ابن عبد البر رحمه الله تعالى : إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أوضحناه في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=29468_30364اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ . حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا يُنْذِرُهُ وَيُحَذِّرُهُ ، فَيُعْصَى ذَلِكَ الرَّسُولُ ، وَيُسْتَمَرُّ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ .
وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : رُسُلًا
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=165مُبَشِّرِينَ [ ص: 66 ] وَمُنْذِرِينَ لِئَلَاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ 4 \ 165 ] ، فَصَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّةَ كُلِّ أَحَدٍ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ ، مُبَشِّرِينَ مَنْ أَطَاعَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَمُنْذِرِينَ مَنْ عَصَاهُمُ النَّارَ .
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي أَوْضَحَ هُنَا قَطَعَهَا بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، بَيَّنَهَا فِي آخِرِ سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=134وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [ 20 \ 134 ] .
وَأَشَارَ لَهَا فِي سُورَةِ الْقَصَصِ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=47وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ 28 \ 47 ] ، وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=131ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [ 6 \ 131 ] ، وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=19يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ الْآيَةَ [ 5 \ 19 ] ، وَكَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=155وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=156أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=157أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ الْآيَةَ [ 6 \ 155 - 157 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَيُوَضِّحُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنْ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=29468_30364اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، تَصْرِيحُهُ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ : " بِأَنْ لَمْ يْدْخِلْ أَحَدًا النَّارَ إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=9قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ [ 67 \ 8 ، 9 ] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلَا : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَفْوَاجِ الْمُلْقِينَ فِي النَّارِ .
قَالَ
أَبُو حَيَّانَ فِي " الْبَحْرِ الْمُحِيطِ " فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا مَا نَصُّهُ : " وَكُلَّمَا " تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ أَزْمَانِ الْإِلْقَاءِ فَتَعُمُّ الْمُلْقِينَ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=71وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا [ ص: 67 ] بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [ 39 \ 71 ] ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَامٌّ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ : أَنَّ الْمُوصُولَاتِ كَالَّذِي وَالَّتِي وَفُرُوعِهِمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ، لِعُمُومِهَا فِي كُلِّ مَا تَشْمَلُهُ صِلَاتُهَا ، وَعَقَدَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ :
صِيغَةُ كُلٍّ أَوِ الْجَمِيعِ وَقَدْ تَلَا الَّذِي الَّتِي الْفُرُوعَ
وَمُرَادُهُ بِالْبَيْتِ : أَنَّ لَفْظَةَ " كُلٍّ ، وَجَمِيعٍ ، وَالَّذِي ، وَالَّتِي " وَفُرُوعِهِمَا كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الصِّيَغِ الْعُمُومِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=71وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا - إِلَى قَوْلِهِ - قَالُوا بَلَى [ 39 \ 71 ] عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ قَدْ أَنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ فِي دَارِ الدُّنْيَا ، فَعَصَوُا أَمْرَ رَبِّهِمْ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ .
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=36وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=37وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [ 35 \ 36 ] ، فَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=36وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ - إِلَى قَوْلِهِ -
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=37وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [ 35 \ 37 ] ، عَامٌّ أَيْضًا فِي جَمِيعِ أَهْلِ النَّارِ ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ قَرِيبًا .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=49وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=50أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [ 40 \ 49 ، 50 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ أَنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ فِي دَارِ الدُّنْيَا .
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى عُذْرِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ وَلَوْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ ، وَبِهَذَا قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَوَاهِرِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَبِأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=18وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ 4 \ 18 ] ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=161إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 2 \ 161 ] ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=91الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ [ ص: 68 ] أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [ 3 \ 91 ] ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=48إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ 4 \ 48 ] ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=31وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [ 22 \ 31 ] ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=72إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=50قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [ 7 \ 50 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَظَاهِرُ جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعُمُومُ ، لِأَنَّهَا لَمْ تُخَصَّصْ كَافِرًا دُونَ كَافِرٍ ، بَلْ ظَاهِرُهَا شُمُولُ جَمِيعِ الْكُفَّارِ .
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُعْذَرُونَ فِي كُفْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ مَا أَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=12508أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا
عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=15744حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ
ثَابِتٍ ، عَنْ
أَنَسٍ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007971أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ : " فِي النَّارِ " فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ : " إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ " اه . وَقَالَ
مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا : حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16984وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ
لِيَحْيَى - قَالَا : حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=17070مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ
يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ كِيسَانَ - عَنْ
أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007972اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي " ، حَدَّثَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=12508أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ،
nindex.php?page=showalam&ids=11997وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ كِيسَانَ ، عَنْ
أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007973زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ . فَقَالَ : " اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ " اه ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ عُذْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْفَتْرَةِ .
وَهَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ :
nindex.php?page=treesubj&link=30584هَلِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ فِي النَّارِ لِكُفْرِهِمْ ، أَوْ مَعْذُورُونَ بِالْفَتْرَةِ ؟ وَعَقَدَهُ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ :
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ لَا يُرَاعُ وَفِي الْأُصُولِ بَيْنَهُمْ نِزَاعٌ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فِي النَّارِ :
النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ
مُسْلِمٍ ، وَحَكَى عَلَيْهِ
الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ الْإِجْمَاعَ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ " نَشْرِ الْبُنُودِ " .
وَأَجَابَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ 17 \ 15 ] مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّ التَّعْذِيبَ الْمَنْفِيِ فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ الْآيَةَ ، وَأَمْثَالِهَا مِنَ
[ ص: 69 ] الْآيَاتِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ ، كَمَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ بِقَوْمِ
نُوحٍ ، وَقَوْمِ
هُودٍ ، وَقَوْمِ
صَالِحٍ ، وَقَوْمِ
لُوطٍ ، وَقَوْمِ
شُعَيْبٍ ، وَقَوْمِ
مُوسَى وَأَمْثَالِهِمْ ، وَإِذًا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّعْذِيبَ فِي الْآخِرَةِ .
وَنَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ
الْقُرْطُبِيُّ ،
وَأَبُو حَيَّانَ ،
وَالشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ إِلَى الْجُمْهُورِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ مَحَلَّ الْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ الْمَنْصُوصَ فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ الْآيَةَ ، وَأَمْثَالِهَا فِي غَيْرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى أَدْنَى عَاقِلٍ ، أَمَّا الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ أَحَدٌ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبُّهُمْ ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، النَّافِعُ ، الضَّارُّ ، وَيَتَحَقَّقُونَ كُلَّ التَّحَقُّقِ أَنَّ الْأَوْثَانَ لَا تَقْدِرُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ وَلَا عَلَى دَفْعِ ضُرٍّ ، كَمَا قَالَ عَنْ قَوْمِ
إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=65لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ [ 21 \ 65 ] ، وَكَمَا جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ بِكَثْرَةٍ بِأَنَّهُمْ وَقْتَ الشَّدَائِدِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ ، كَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=65فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْآيَةَ [ 29 \ 65 ] ، وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=31&ayano=32وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْآيَةَ [ 31 \ 32 ] ، وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=67وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ الْآيَةَ [ 17 \ 67 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، وَلَكِنَّ الْكُفَّارَ غَالَطُوا أَنْفُسَهُمْ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِمْ لِأَوْثَانِهِمْ ، فَزَعَمُوا أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَأَنَّهَا شُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ; مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةَ إِنْذَارٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ;
كَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَجَزَمَ بِهَذَا
النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ
مُسْلِمٍ ، وَمَالَ إِلَيْهِ
الْعِبَادِي فِي ( الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ ) .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْفَتْرَةِ فِي النَّارِ ، كَمَا قَدَّمْنَا بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ فِي صَحِيحٍ
مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ .
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِعُذْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ ، فَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ كَوْنُ التَّعْذِيبِ فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ 17 \ 15 ] ، إِنَّمَا هُوَ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ دُونَ الْأُخْرَوِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ خِلَافَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ انْتِفَاءُ التَّعْذِيبِ مُطْلَقًا ، فَهُوَ أَعَمُّ
[ ص: 70 ] مِنْ كَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَصَرْفُ الْقُرْآنَ عَنْ ظَاهِرِهِ مَمْنُوعٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ شُمُولِ التَّعْذِيبِ الْمَنْفِيِ فِي الْآيَةِ لِلتَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ ; كَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=9قَالُوا بَلَى [ 67 \ 8 ، 9 ] ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَفْوَاجِ أَهْلِ النَّارِ مَا عُذِّبُوا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ .
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ فِي غَيْرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى أَحَدٍ بِنَفْسِ الْجَوَابَيْنِ الْمَذْكُورِينَ آنِفًا ; لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ النَّارِ مَا عُذِّبُوا بِهَا حَتَّى كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي دَارِ الدُّنْيَا ، بَعْدَ إِنْذَارِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ .
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ
النَّوَوِيُّ ، وَمَالَ إِلَيْهِ
الْعَبَّادِيُّ وَهُوَ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإِنْذَارِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ ، لِكَثْرَةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِبُطْلَانِهِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ أُنْذِرُوا عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الرُّسُلِ وَالْقُرْآنُ يَنْفِي هَذَا نَفْيًا بَاتًّا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، كَقَوْلِهِ فِي " يس " :
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=6لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [ 36 \ 6 ] وَ " مَا " فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=6مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ [ 36 \ 6 ] نَافِيَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ ، لَا مَوْصُولَةٌ ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَهُمْ غَافِلُونَ ، وَكَقَوْلِهِ فِي " الْقَصَصِ " :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=46وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْآيَةَ [ 28 \ 46 ] ، وَكَقَوْلِهِ فِي " سَبَأٍ " وَمَا
nindex.php?page=tafseer&surano=34&ayano=44آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [ 34 \ 44 ] ، وَكَقَوْلِهِ فِي " الم السَّجْدَةِ " :
nindex.php?page=tafseer&surano=32&ayano=3أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْآيَةَ [ 32 \ 3 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ : بِأَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صَحِيحِ
مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْقَاطِعُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ 17 \ 15 ] ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=8كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى [ 67 \ 8 - 9 ] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ أَيْضًا عَنِ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا مُخَالِفُوهُمْ كَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=18وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ 4 \ 18 ] ، إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ
[ ص: 71 ] مِنَ الْآيَاتِ ، بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوهُمْ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ 17 \ 15 ] . وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَعْذِيبِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ عَنْ قَوْلِ مُخَالِفِيهِمْ : إِنَّ الْقَاطِعَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=15وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعْذِيبِ بَعْضِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ ، كَحَدِيثَيْ
مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، وَالْحَدِيثَيْنِ كِلَاهُمَا خَاصٌّ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; لِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا
لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَمًا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ خَرَجَ مِنَ الْعُمُومِ ، وَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ بَقِيَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ .
وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ يُبْطِلُ حِكْمَةَ الْعَامِّ ; لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا تَمَدَّحُ بِكَمَالِ الْإِنْصَافِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ حَتَّى يَقْطَعَ حُجَّةَ الْمُعَذَّبِ بِإِنْذَارِ الرُّسُلِ فِي دَارِ الدُّنْيَا ، وَأَشَارَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنْصَافَ الْكَامِلَ ، وَالْإِعْذَارَ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْعُذْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ ، فَلَوْ عَذَّبَ إِنْسَانًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ لَاخْتَلَّتْ تِلْكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي تَمَدَّحَ اللَّهُ بِهَا ، وَلَثَبَتَتْ لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ الْحُجَّةُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِهَا ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=165رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ الْآيَةَ [ 4 \ 165 ] ، وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=134وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [ 20 \ 134 ] ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ .
وَأَجَابَ الْمُخَالِفُونَ عَنْ هَذَا : بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ عَدَمَ الْإِنْذَارِ فِي دَارِ الدُّنْيَا عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ ، وَحَصَلَتْ عِلَّةُ الْحُكْمِ الَّتِي هِيَ عَدَمُ الْإِنْذَارِ فِي الدُّنْيَا ، مَعَ فَقْدِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ لِلنَّصِّ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى التَّعْذِيبِ فِيهَا ، فَإِنَّ وُجُودَ عِلَّةِ الْحُكْمِ مَعَ فَقْدِ الْحُكْمِ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ . بِـ " النَّقْضِ " تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَصَرَ لَهَا عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ مَعْلُولِهَا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ ; أَيْ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ ، وَالْخِلَافُ فِي النَّقْضِ هَلْ هُوَ إِبْطَالٌ لِلْعِلَّةِ ، أَوْ تَخْصِيصٌ لَهَا مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ ، وَعَقَدَ الْأَقْوَالَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ " مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْقَوَادِحِ :
مِنْهَا وُجُودُ الْوَصْفِ دُونَ الْحُكْمِ سَمَّاهُ بِالنَّقْضِ وُعَاةُ الْعِلْمِ
[ ص: 72 ] وَالْأَكْثَرُونَ عِنْدَهُمْ لَا يَقْدَحُ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ وَذَا مُصَحِّحٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصٌ إِنْ يَكُ الِاسْتِنْبَاطُ لَا التَّنْصِيصُ
وَعَكْسُ هَذَا قَدْ رَآهُ الْبَعْضُ وَمُنْتَقَى ذِي الِاخْتِصَارِ النَّقْضُ
إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً بِظَاهِرٍ وَلَيْسَ فِيمَا اسْتُنْبِطَتْ بِضَائِرِ
إِنْ جَا لِفَقْدِ الشَّرْطِ أَوْ لِمَا مَنَعَ وَالْوَفْقُ فِي مِثْلِ الْعَرَايَا قَدْ وَقَعَ
فَقَدْ أَشَارَ فِي الْأَبْيَاتِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فِي النَّقْضِ : هَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ ، أَوْ إِبْطَالٌ لِلْعِلَّةِ ، مَعَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ .
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=22014تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ إِنْ كَانَ لِأَجْلِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ ، أَوْ لِفَقْدِ شَرْطِ تَأْثِيرِهَا فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ نَقْضٌ وَإِبْطَالٌ لَهَا ، فَالْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعَدُوَّانُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ إِجْمَاعًا .
فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْوَصْفُ الْمُرَكَّبَ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ ، وَلَمْ يُوجَدِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ لِكَوْنِ الْأُبُوَّةِ مَانِعًا مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ ، فَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْقُوضَةٌ ، لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، بَلْ هِيَ عِلَّةُ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِهَا مَانِعٌ ، فَيُخَصَّصُ تَأْثِيرُهَا بِمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ .
وَكَذَلِكَ مَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ ، وَغَرَّهُ فَزَعَمَ لَهُ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَ مِنْهَا ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ حُرًّا ، مَعَ أَنَّ رِقَّ الْأُمِّ عِلَّةٌ لِرِقِّ الْوَلَدِ إِجْمَاعًا ; لِأَنَّ كُلَّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا ; لِأَنَّ الْغُرُورَ مَانِعٌ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ رِقُّ الْأُمِّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ رِقُّ الْوَلَدِ .
وَكَذَلِكَ الزِّنَى ; فَإِنَّهُ عَلِمَ لِلرَّجْمِ إِجْمَاعًا .
فَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الزِّنَى فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي هِيَ الرَّجْمُ ، وَنَعْنِي بِذَلِكَ الشَّرْطِ الْإِحْصَانَ ، فَلَا يُقَالُ إِنَّهَا عِلَّةٌ مَنْقُوضَةٌ ، بَلْ هِيَ عِلَّةٌ تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِهَا ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ .
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : الَّذِي يَظْهَرُ : أَنَّ آيَةَ " الْحَشْرِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا ، وَاللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَنَعْنِي بِآيَةِ " الْحَشْرِ " قَوْلَهُ تَعَالَى فِي
بَنِي النَّضِيرِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=59&ayano=3وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [ 59 \ 3 ] .
[ ص: 73 ] ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا عِلَّةَ هَذَا الْعِقَابِ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=59&ayano=4ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ [ 59 \ 4 ] ، وَقَدْ يُوجَدُ بَعْضُ مَنْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلَمْ يُعَذِّبْ بِمِثْلِ الْعَذَابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ
بَنُو النَّضِيرِ ، مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مُشَاقَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=21935_21773_22014تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ لَا نَقْضٌ لَهَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
أَمَّا مَثَلُ بَيْعِ التَّمْرِ الْيَابِسِ بِالرَّطْبِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا ، فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ إِجْمَاعًا لَا نَقْضَ لَهَا ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْأَبْيَاتِ بِقَوْلِهِ :
وَالْوَفْقُ فِي مِثْلِ الْعَرَايَا قَدْ وَقَعَ
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ : هَلْ
nindex.php?page=treesubj&link=30584يَعْذُرُ الْمُشْرِكُونَ بِالْفَتْرَةِ أَوْ لَا ؟ هُوَ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِالْفَتْرَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَارٍ يَأْمُرُهُمْ بِاقْتِحَامِهَا ، فَمَنِ اقْتَحَمَهَا دَخْلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النَّارَ وَعُذِّبَ فِيهَا ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا ; لَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَمْرَيْنِ :
الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَثُبُوتُهُ عَنْهُ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ; فَلَا وَجْهَ لِلنِّزَاعِ أَلْبَتَّةَ مَعَ ذَلِكَ .
قَالَ
الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا ، بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ الدَّالَّةَ عَلَى عُذْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ وَامْتِحَانِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، رَادًّا عَلَى
nindex.php?page=showalam&ids=13332ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَضْعِيفَ أَحَادِيثِ عُذْرِهِمْ وَامْتِحَانِهِمْ ، بِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا عَمَلٍ ، وَأَنَّ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النَّارِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَا نَصَّهُ :
وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ : أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَيْفٌ يَتَقَوَّى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ ، وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا دَارُ جَزَاءٍ ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ
nindex.php?page=showalam&ids=13711أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ
أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : يَوْمَ
nindex.php?page=tafseer&surano=68&ayano=42يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [ ص: 74 ] وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [ 68 \ 42 ] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا : "
أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، وَيَعُودُ ظَهْرُهُ كَالصَّفِيحَةِ الْوَاحِدَةِ طَبَقًا وَاحِدًا ، كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفَاهُ " ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا : "
أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : يَابْنَ آدَمَ ، مَا أَعْذَرَكَ ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمُ اللَّهُ دُخُولَ النَّارِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ ؟ فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ . "
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ ، كَالْبَرْقِ ، وَكَالرِّيحِ ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ . وَمِنْهُمُ السَّاعِي ، وَمِنْهُمُ الْمَاشِي ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا ، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوسُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ " وَلَيْسَ مَا وَرَدَ فِي أُولَئِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا ، بَلْ هَذَا أُطْمٌ وَأَعْظَمَا
وَأَيْضًا : فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدُهُمْ مِنَ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ نَارٌ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، فَهَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ
بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قَتَلُوا فِيمَا قِيلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ ، وَهُمْ فِي عَمَايَةِ غَمَامَةٍ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ; وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَهَذَا أَيْضًا شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا لَا يَتَقَاصَرُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُ
ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ .
وَقَالَ
ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِقَلِيلٍ مَا نَصُّهُ :
وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْمَحْشَرِ ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَةِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا ، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ ، الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ
nindex.php?page=showalam&ids=13711أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ
أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ
nindex.php?page=showalam&ids=13933أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ ( الِاعْتِقَادِ ) وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ
[ ص: 75 ] مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ . انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ
ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا .
الْأَمْرُ الثَّانِي : أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا ، وَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِلَّا هَذَا الْقَوْلُ بِالْعُذْرِ وَالِامْتِحَانِ ، فَمَنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَمْتَثِلْ مَا أَمَرَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ ، وَيَتَّفِقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأَدِلَّةِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ قَوْلِ
nindex.php?page=showalam&ids=13332ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا دَارُ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ أَنْ تَرِدَ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِنَا ( دَفَعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ ) .