فصل :
nindex.php?page=treesubj&link=3542طواف الماشي أولى وأفضل من طواف الراكب وهذا مما لا يعرف خلاف فيه : لأن النبي طاف في عمرة كله ماشيا ، وطاف في حجه طواف [ القدوم ماشيا ، وإنما طاف مرة في عمرة ] طواف الإفاضة راكبا ؛ ولأنه يؤذي الناس بزحام مركوبه ، ولا يؤمن تنجيس المسجد بإرسال بوله ، فإن طاف راكبا أجزأه معذورا كان أو غير معذور ، ولا دم عليه بحال ، وقال
أبو حنيفة : يجزئه الطواف وعليه دم إن كان غير معذور ، ولأن
سعيد بن جبير روى
أن رسول صلى الله عليه وسلم طاف راكبا من شكوى . [ ص: 152 ] روى
عروة عن
nindex.php?page=showalam&ids=170زينب بنت أبي سلمة nindex.php?page=hadith&LINKID=922724عن nindex.php?page=showalam&ids=54أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ، قالت : فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ : nindex.php?page=tafseer&surano=52&ayano=1والطور وكتاب مسطور [ الطور : 1 ] قال : فإذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا لشكوى وأذن
nindex.php?page=showalam&ids=54لأم سلمة رضي الله عنها أن تطوف راكبة لشكوى دل ذلك على حظر
nindex.php?page=treesubj&link=33020الطواف راكبا من غير شكوى ، ومن فعل في الحج محظورا لزمه الجبران .
وهذا الذي قاله غير صحيح .
والدلالة على أنه طاف بغير شكوى رواية
سفيان عن
أبي طاوس عن أبيه
nindex.php?page=hadith&LINKID=922725أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يتجزوا بالإفاضة ، وأفاض بنسائه ليلا ، فطاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه أحسبه قال : ويقبل طرف المحجن ، وروي عن
جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ركب ليراه الناس ، وفي هذا دلالة على أنه لم يركب من شكوى .
قال
الشافعي : ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى ، ولأنه ركن لو أداه ماشيا لم يجبره بدم ، فوجب إذا أداه راكبا أن لا يجبره بدم كالوقوف وغيره ، ولأنه طاف راكبا فوجب أن لا يلزمه لجبرانه دم كالمريض ، فأما ما استدل به فغير دال له ، لأنه يقتضي أن لا يجوز
nindex.php?page=treesubj&link=33020طواف الراكب لغير عذر ، وقد أجمعنا على جواز طوافه ، وإنما اختلفنا في وجوب الدم لجبرانه ، وليس في ذلك دليل عليه ، فإذا ثبت أن ذلك مجزئ ، ولا دم فيه فهو مكروه لغير المعذور : لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك مرة واحدة : لأنه أحب أن يشرف للناس ليسألوه وليس لأحد في هذا الموضع مثله .
فكذا
nindex.php?page=treesubj&link=3542لو طاف محمولا على أكتاف الرجال لغير عذر وكرهناه ، فإن كان معذورا بمانع من مرض أو زمانة ، فالأولى أن يطوف محمولا ولا يطوف راكبا ، فإن طاف راكبا كان أيسر حالا من ركوب غير المعذور وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والحمير ، فإن
nindex.php?page=treesubj&link=3542طاف محمولا وكل واحد منهما محرم ، عليه طواف قد نواه عن نفسه ففيه قولان :
أحدهما : أن يكون الطواف عن الحامل دون المحمول ، لأنه أصل والمحمول تبع .
والقول الثاني : يكون الطواف عن المحمول دون الحامل : لأن الحامل قد صرف عمله إلى معونة المحمول .
وقال
أبو حنيفة : يكون الطواف عن الحامل والمحمول جميعا ؟ استدلالا بأنه لو حمله
بعرفة أجزأهما عن وقوفهما فكذلك في الطواف يجزئهما عن طوافهما .
[ ص: 153 ] ودليلنا هو أن طواف الحامل والمحمول فعل واحد ، فلم يجز أن يؤدى بالفعل الواحد فرض طوافين ، فوجب استحقاق فعلين وخالف الوقوف
بعرفة : لأن الوقوف لبث لا يتضمن فعلا ، وكذلك لو وقف نائما أجزأ ، والطواف فعل مستحق وهو من أحدهما فلم يجز عنهما ، ثم إذا طاف راكبا أو محمولا فإنه يضطبع ، فأما الرمل فعلى قولين :
أحدهما : وهو قوله في القديم لا رمل عليه : لأنه مسنون في الماشي ليستدل به على نشاطه وصحته وهذا معدوم في المحمول والراكب .
والقول الثاني : وهو قوله في الجديد يرمل به إن كان محمولا ويخبب بيديه إن كان راكبا ؛ لأن كل من كان مسنونا في طواف الماشي كان مسنونا في طواف المحمول والراكب كالاضطباع .
فَصْلٌ :
nindex.php?page=treesubj&link=3542طَوَافُ الْمَاشِي أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنْ طَوَافِ الرَّاكِبِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ خِلَافٌ فِيهِ : لِأَنَّ النَّبِيَّ طَافَ فِي عُمْرَةٍ كُلَّهُ مَاشِيًا ، وَطَافَ فِي حَجِّهِ طَوَافَ [ الْقُدُومِ مَاشِيًا ، وَإِنَّمَا طَافَ مَرَّةً فِي عُمْرَةٍ ] طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رَاكِبًا ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ بِزِحَامِ مَرْكُوبِهِ ، وَلَا يُؤْمَنُ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ بِإِرْسَالِ بَوْلِهِ ، فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا أَجْزَأَهُ مَعْذُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ، وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ الطَّوَافُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ ، وَلِأَنَّ
سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَوَى
أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ رَاكِبًا مِنْ شَكْوَى . [ ص: 152 ] رَوَى
عُرْوَةُ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=170زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ nindex.php?page=hadith&LINKID=922724عَنْ nindex.php?page=showalam&ids=54أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ، قَالَتْ : فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ : nindex.php?page=tafseer&surano=52&ayano=1وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [ الطُّورِ : 1 ] قَالَ : فَإِذَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لِشَكْوَى وَأَذِنَ
nindex.php?page=showalam&ids=54لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ تَطُوفَ رَاكِبَةً لِشَكْوَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَظْرِ
nindex.php?page=treesubj&link=33020الطَّوَافِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ شَكْوَى ، وَمَنْ فَعَلَ فِي الْحَجِّ مَحْظُورًا لَزِمَهُ الْجُبْرَانُ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ .
وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ طَافَ بِغَيْرِ شَكْوَى رِوَايَةُ
سُفْيَانَ عَنْ
أَبِي طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ
nindex.php?page=hadith&LINKID=922725أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَّجِزُوا بِالْإِفَاضَةِ ، وَأَفَاضَ بِنِسَائِهِ لَيْلًا ، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ أَحْسَبُهُ قَالَ : وَيُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ ، وَرُوِيَ عَنْ
جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَكِبَ لِيَرَاهُ النَّاسُ ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ مِنْ شَكْوَى .
قَالَ
الشَّافِعِيُّ : وَلَا أَعْلَمُهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ اشْتَكَى ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ لَوْ أَدَّاهُ مَاشِيًا لَمْ يَجْبُرْهُ بِدَمٍ ، فَوَجَبَ إِذَا أَدَّاهُ رَاكِبًا أَنْ لَا يُجْبِرَهُ بِدَمٍ كَالْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ طَافَ رَاكِبًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ لِجُبْرَانِهِ دَمٌ كَالْمَرِيضِ ، فَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فَغَيْرُ دَالٍّ لَهُ ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ
nindex.php?page=treesubj&link=33020طَوَافُ الرَّاكِبِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ طَوَافِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفْنَا فِي وُجُوبِ الدَّمِ لِجُبْرَانِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ ، وَلَا دَمَ فِيهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً : لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِفَ لِلنَّاسِ لِيَسْأَلُوهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِثْلُهُ .
فَكَذَا
nindex.php?page=treesubj&link=3542لَوْ طَافَ مَحْمُولًا عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَكَرِهْنَاهُ ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِمَانِعٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَطُوْفَ مَحْمُولًا وَلَا يَطُوفَ رَاكِبًا ، فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا كَانَ أَيْسَرَ حَالًا مِنْ رُكُوبِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَرُكُوبُ الْإِبِلِ أَيْسَرُ حَالًا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، فَإِنْ
nindex.php?page=treesubj&link=3542طَافَ مَحْمُولًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْرِمٌ ، عَلَيْهِ طَوَافٌ قَدْ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ عَنِ الْحَامِلِ دُونَ الْمَحْمُولِ ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَالْمَحْمُولُ تَبَعٌ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَكُونُ الطَّوَافُ عَنِ الْمَحْمُولِ دُونَ الْحَامِلِ : لِأَنَّ الْحَامِلَ قَدْ صَرَفَ عَمَلَهُ إِلَى مَعُونَةِ الْمَحْمُولِ .
وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ الطَّوَافُ عَنِ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ جَمِيعًا ؟ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَهُ
بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُمَا عَنْ وُقُوفِهِمَا فَكَذَلِكَ فِي الطَّوَافِ يُجْزِئُهُمَا عَنْ طَوَافِهِمَا .
[ ص: 153 ] وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ طَوَافَ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ فِعْلٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَدَّى بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ فَرْضُ طَوَافَيْنِ ، فَوَجَبَ اسْتِحْقَاقُ فِعْلَيْنِ وَخَالَفَ الْوُقُوفَ
بِعَرَفَةَ : لِأَنَّ الْوُقُوفَ لُبْثٌ لَا يَتَضَمَّنُ فِعْلًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ نَائِمًا أَجْزَأَ ، وَالطَّوَافُ فِعْلٌ مُسْتَحَقٌّ وَهُوَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يُجْزِ عَنْهُمَا ، ثُمَّ إِذَا طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا فَإِنَّهُ يَضْطَبِعُ ، فَأَمَّا الرَّمَلُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ لَا رَمَلَ عَلَيْهِ : لِأَنَّهُ مَسْنُونٌ فِي الْمَاشِي لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَشَاطِهِ وَصِحَّتِهِ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْمَحْمُولِ وَالرَّاكِبِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ يَرْمُلُ بِهِ إِنْ كَانَ مَحْمُولًا وَيُخَبِّبُ بِيَدَيْهِ إِنْ كَانَ رَاكِبًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَسْنُونًا فِي طَوَافِ الْمَاشِي كَانَ مَسْنُونًا فِي طَوَافِ الْمَحْمُولِ وَالرَّاكِبِ كَالِاضْطِبَاعِ .