nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35nindex.php?page=treesubj&link=28995_29686الله نور السماوات والأرض
أتبع منة الهداية الخاصة في أحكام خاصة المفادة من قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات الآية بالامتنان بأن الله هو مكون أصول الهداية العامة والمعارف الحق للناس كلهم بإرسال رسوله بالهدى ودين الحق ، مع ما في هذا الامتنان من الإعلام بعظمة الله تعالى ومجده وعموم علمه وقدرته .
[ ص: 231 ] والذي يظهر لي أن جملة :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض معترضة بين الجملة التي قبلها وبين جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة وأن جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة بيان لجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات كما سيأتي في تفسيرها فتكون جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض تمهيدا لجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة .
ومناسبة موقع جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة بعد جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات أن آيات القرآن نور قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=174وأنزلنا إليكم نورا مبينا في سورة النساء ، وقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=15قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين في سورة العقود ، فكان قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض كلمة جامعة لمعاني جمة تتبع معاني النور في إطلاقه في الكلام .
وموقع الجملة عجيب من عدة جهات ، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان .
والنور : حقيقته الإشراق والضياء . وهو اسم جامد لمعنى ، فهو كالمصدر ; لأنا وجدناه أصلا لاشتقاق أفعال الإنارة فشابهت الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة نحو : استنوق الجمل ، فإن فعل أنار مثل فعل أفلس ، وفعل استنار مثل فعل استحجر الطين . وبذلك كان الإخبار به بمنزلة الإخبار بالمصدر أو باسم الجنس في إفادة المبالغة ; لأنه اسم ماهية من المواهي فهو والمصدر سواء في الاتصاف . فمعنى
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض أن منه ظهورهما . والنور هنا صالح لعدة معان تشبه بالنور ، وإطلاق اسم النور عليها مستعمل في اللغة .
فالإخبار عن الله تعالى بأنه نور إخبار بمعنى مجازي للنور لا محالة بقرينة أصل عقيدة الإسلام أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، ولا يتردد في ذلك أحد من أصحاب اللسان العربي ، ولا تخلو حقيقة معنى النور عن كونه جوهرا أو عرضا . وأسعد إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به جلاء الأمور التي شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها ،
[ ص: 232 ] فإطلاقه على ذلك مجاز بعلامة التسبب في الحس والعقل ، وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14847الغزالي في رسالته المعروفة بمشكاة الأنوار : النور هو الظاهر الذي به كل ظهور ، أي : الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه ، وهو النور الحقيقي وليس فوقه نور . وجعل
nindex.php?page=treesubj&link=28723اسمه تعالى النور دالا على التنزه عن العدم وعلى إخراج الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع ، وتبعه
ابن برجان الإشبيلي في شرح الأسماء الحسنى فقال : إن اسمه النور آل إلى صفات الأفعال اهـ .
أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائما لما قبل الآية من قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات وما بعدها من قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة إلى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35يهدي الله لنوره من يشاء وقوله عقب ذلك :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=40ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . وقد أشرنا آنفا إلى أن للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة ; لأن تكون مرادا من وصفه تعالى بالنور ، وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الإطلاق في كل مقام على ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع ، كما في قول النبيء صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10342232ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن فإن عطف ومن فيهن يؤذن بأن المراد بـ ( السماوات والأرض ) ذاتهما لا الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه بالفتق في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=30كانتا رتقا ففتقناهما . والمعنى : أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما .
والتزام حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور . وأشهرها ثلاث : البرهان العلمي ، والكمال النفساني ، وما به مشاهدة النورانيات من العوالم . وإلى ثلاثتها أشار
شهاب الدين يحيى [ ص: 233 ] السهروردي في أول كتابه هياكل النور بقوله : يا قيوم أيدنا بالنور ، وثبتنا على النور ، واحشرنا إلى النور كما بينه
جلال الدين الدواني في شرحه .
وتلحق بهذه المعاني إطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو الهدى .
وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدى كما في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=44إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=91قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما . وليس شيء من معاني لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفا لله تعالى لا حقيقة ولا مجازا ، فتعين أن لفظ ( نور ) في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مثل نوره كمشكاة غير المراد بلفظ نور في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض فالنور لفظ مشترك استعمل في معنى وتارة أخرى في معنى آخر .
فأحسن ما تفسر به قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35الله نور السماوات والأرض أن الله موجد كل ما يعبر عنه بالنور وخاصة أسباب المعرفة الحق والحجة القائمة والمرشد إلى الأعمال الصالحة التي بها حسن العاقبة في العالمين العلوي والسفلي ، وهو من استعمال المشترك في معانيه .
ويجوز أن يراد بالسماوات والأرض من فيهما من باب
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=82واسأل القرية وهو أبلغ من ذكر المضاف المحذوف ; لأن في هذا الحذف إيهاما أن السماوات والأرض قابلة لهذا النور كما أن القرية نفسها تشهد بما يسأل منها ، وذلك أبلغ في الدلالة على الإحاطة بالمقصود وألطف دلالة . فيشمل تلقين العقيدة الحق والهداية إلى الصلاح; فأما هداية البشر إلى الخير والصلاح فظاهرة ، وأما هداية الملائكة إلى ذلك فبأن خلقهم الله على فطرة الصلاح والخير . وبأن أمرهم بتسخير القوى للخير ، وبأن أمر بعضهم بإبلاغ الهدى بتبليغ الشرائع وإلهام القلوب الصالحة إلى الصلاح وكانت تلك مظاهر هدى لهم وبهم .
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35nindex.php?page=treesubj&link=28995_29686اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
أَتْبَعَ مِنَّةَ الْهِدَايَةِ الْخَاصَّةِ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ الْمُفَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ الْآيَةَ بِالِامْتِنَانِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مُكَوِّنُ أُصُولِ الْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْحَقِّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولِهِ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ، مَعَ مَا فِي هَذَا الِامْتِنَانِ مِنَ الْإِعْلَامِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَجْدِهِ وَعُمُومِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ .
[ ص: 231 ] وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ جُمْلَةَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَيْنَ جُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ وَأَنَّ جُمْلَةَ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِهَا فَتَكُونُ جُمْلَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ .
وَمُنَاسَبَةُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ بَعْدَ جُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ نُورٌ قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=174وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=15قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ ، فَكَانَ قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعَانِي جَمَّةٍ تَتَّبِعُ مَعَانِي النُّورِ فِي إِطْلَاقِهِ فِي الْكَلَامِ .
وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ عَجِيبٌ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ ، وَانْتِقَالٌ مِنْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ مِنْ أَغْرَاضِ الْإِرْشَادِ وَأَفَانِينَ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالْبُرْهَانِ .
وَالنُّورُ : حَقِيقَتُهُ الْإِشْرَاقُ وَالضِّيَاءُ . وَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ لِمَعْنًى ، فَهُوَ كَالْمَصْدَرِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ أَصْلًا لِاشْتِقَاقِ أَفْعَالِ الْإِنَارَةِ فَشَابَهَتِ الْأَفْعَالَ الْمُشْتَقَّةَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ نَحْوَ : اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ ، فَإِنَّ فِعْلَ أَنَارَ مِثْلُ فِعْلِ أَفْلَسَ ، وَفَعَلَ اسْتَنَارَ مِثْلُ فِعْلِ اسْتَحْجَرَ الطِّينُ . وَبِذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْبَارِ بِالْمَصْدَرِ أَوْ بِاسْمِ الْجِنْسِ فِي إِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ مَاهِيَّةٍ مِنَ الْمَوَاهِي فَهُوَ وَالْمَصْدَرُ سَوَاءٌ فِي الِاتِّصَافِ . فَمَعْنَى
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ مِنْهُ ظُهُورَهُمَا . وَالنُّورُ هَنَا صَالِحٌ لِعِدَّةِ مَعَانٍ تُشَبَّهُ بِالنُّورِ ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ النُّورِ عَلَيْهَا مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ .
فَالْإِخْبَارُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ نُورٌ إِخْبَارٌ بِمَعْنًى مَجَازِيٍّ لِلنُّورِ لَا مَحَالَةَ بِقَرِينَةِ أَصْلِ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ ، وَلَا يَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، وَلَا تَخْلُو حَقِيقَةُ مَعْنَى النُّورِ عَنْ كَوْنِهِ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا . وَأَسْعَدُ إِطْلَاقَاتِ النُّورِ فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَلَاءُ الْأُمُورِ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَخْفَى عَنْ مَدَارِكِ النَّاسِ وَتَلْتَبِسَ فَيَقِلُّ الِاهْتِدَاءُ إِلَيْهَا ،
[ ص: 232 ] فَإِطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ مَجَازٌ بِعَلَامَةِ التَّسَبُّبِ فِي الْحِسِّ وَالْعَقْلِ ، وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14847الْغَزَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِمِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ : النُّورُ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي بِهِ كُلُّ ظُهُورٍ ، أَيْ : الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَتَنْكَشِفُ لَهُ وَتَنْكَشِفُ مِنْهُ ، وَهُوَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ فَوْقَهُ نُورٌ . وَجَعْلُ
nindex.php?page=treesubj&link=28723اسْمِهِ تَعَالَى النُّورَ دَالًّا عَلَى التَّنَزُّهِ عَنِ الْعَدَمِ وَعَلَى إِخْرَاجِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ إِلَى ظُهُورِ الْوُجُودِ فَآلَ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ اسْمُ النُّورِ مِنْ مَعْنَى الْإِظْهَارِ وَالتَّبْيِينِ فِي الْخَلْقِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّشْرِيعِ ، وَتَبِعَهُ
ابْنُ بَرَّجَانَ الْإِشْبِيلِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فَقَالَ : إِنَّ اسْمَهُ النُّورَ آلَ إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ اهـ .
أَمَّا وَصْفُ النُّورِ هُنَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُلَائِمًا لِمَا قَبْلَ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=34لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ إِلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=40وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ . وَقَدْ أَشَرْنَا آنِفًا إِلَى أَنَّ لِلنُّورِ إِطْلَاقَاتٌ كَثِيرَةٌ وَإِضَافَاتٌ أُخْرَى صَالِحَةٌ ; لِأَنْ تَكُونَ مُرَادًا مِنْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالنُّورِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِي كُلِّ مَقَامٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ حَيْثُمَا وَقَعَ ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10342232وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ فَإِنَّ عَطْفَ وَمَنْ فِيهِنَّ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ ( السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ذَاتُهُمَا لَا الْمَوْجُودَاتُ الَّتِي فِيهِمَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُرَادَ بِالنُّورِ هُنَالِكَ إِفَاضَةُ الْوُجُودِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْفَتْقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=21&ayano=30كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُمَا .
وَالْتِزَامُ حُكَمَاءِ الْإِشْرَاقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَصُوفِيَّةِ الْحُكَمَاءِ مَعَانِي مِنْ إِطْلَاقَاتِ النُّورِ . وَأَشْهَرُهَا ثَلَاثٌ : الْبُرْهَانُ الْعِلْمِيُّ ، وَالْكَمَالُ النَّفْسَانِيُّ ، وَمَا بِهِ مُشَاهَدَةُ النُّورَانِيَّاتِ مِنَ الْعَوَالِمِ . وَإِلَى ثَلَاثَتِهَا أَشَارَ
شِهَابُ الدِّينِ يَحْيَى [ ص: 233 ] السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ هَيَاكِلِ النُّورِ بِقَوْلِهِ : يَا قَيُّومُ أَيِّدْنَا بِالنُّورِ ، وَثَبِّتْنَا عَلَى النُّورِ ، وَاحْشُرْنَا إِلَى النُّورِ كَمَا بَيَّنَهُ
جَلَالُ الدِّينِ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِهِ .
وَتَلْحَقُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي إِطْلَاقُ النُّورِ عَلَى الْإِرْشَادِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ الْهُدَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ النُّورِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْهُدَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=44إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=91قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ فَعَطْفُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُشْعِرٌ بِالْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا . وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِي لَفْظِ النُّورِ الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِصَالِحٍ لِأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي جُعِلَ وَصْفًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ ( نُورٍ ) فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ غَيْرُ الْمُرَادِ بِلَفْظِ نُورٍ فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَالنُّورُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنًى وَتَارَةً أُخْرَى فِي مَعْنًى آخَرَ .
فَأَحْسَنُ مَا تُفَسِّرُ بِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=35اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ اللَّهَ مُوجِدٌ كُلَّ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّورِ وَخَاصَّةً أَسْبَابُ الْمَعْرِفَةِ الْحَقُّ وَالْحُجَّةُ الْقَائِمَةُ وَالْمُرْشِدُ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي بِهَا حُسْنُ الْعَاقِبَةِ فِي الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ ، وَهُوَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعَانِيهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَنْ فِيهِمَا مِنْ بَابِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=82وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ ; لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَذْفِ إِيهَامًا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَابِلَةٌ لِهَذَا النُّورِ كَمَا أَنَّ الْقَرْيَةَ نَفْسَهَا تَشْهَدُ بِمَا يُسْأَلُ مِنْهَا ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِالْمَقْصُودِ وَأَلْطَفُ دَلَالَةً . فَيَشْمَلُ تَلْقِينَ الْعَقِيدَةِ الْحَقَّ وَالْهِدَايَةَ إِلَى الصَّلَاحِ; فَأَمَّا هِدَايَةُ الْبَشَرِ إِلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَظَاهِرَةٌ ، وَأَمَّا هِدَايَةُ الْمَلَائِكَةِ إِلَى ذَلِكَ فَبِأَنْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِطْرَةِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ . وَبِأَنْ أَمَرَهُمْ بِتَسْخِيرِ الْقُوَى لِلْخَيْرِ ، وَبِأَنْ أَمَرَ بَعْضَهُمْ بِإِبْلَاغِ الْهُدَى بِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ وَإِلْهَامِ الْقُلُوبِ الصَّالِحَةِ إِلَى الصَّلَاحِ وَكَانَتْ تِلْكَ مَظَاهِرَ هُدًى لَهُمْ وَبِهِمْ .