[ ص: 286 ] سئل الشيخ الإمام الرباني شيخ الإسلام بحر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة علامة الورى وارث الأنبياء .
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رضي الله عنه عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ذكرها عنه جماعة من الناس فيهم من انتسب إلى الدين. فمن ذلك :
nindex.php?page=treesubj&link=28660قال بعض السلف : إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها فسماها خلقا .
وقال
الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل : أن الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب بها مجازا فمن كان من أهل الحق والجمع : شهدها مظاهر ومجالي ومن كان من أهل المجاز والفرق : شهدها ستورا وحجبا قال : وقال في قصيدة له : -
لقد حق لي رفض الوجود وأهله وقد علقت كفاي جمعا بموجدي
[ ص: 287 ] ثم بعد مدة غير البيت بقوله : -
لقد حق لي عشق الوجود وأهله
فسألته عن ذلك فقال : مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ثم يراها مظاهر ومجالي فيحق له العشق لها كما قال بعضهم : -
أقبل أرضا سار فيها جمالها فكيف بدار دار فيها جمالها
قال : وقال
ابن عربي عقيب إنشاد بيتي
nindex.php?page=showalam&ids=12185أبي نواس : -
رق الزجاج وراقت الخمر وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
لبس صورة العالم ; فظاهره خلقه وباطنه حقه .
وقال بعض السلف : عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى الله فقط والكثرة وهم .
قال
الشيخ قطب الدين ابن سبعين : رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك . الله فقط والكثرة وهم .
وقال
الشيخ محيي الدين ابن عربي : -
يا صورة أنس سرها معنائي ما خلقك للأمر ترى لولائي
شئناك فأنشأناك خلقا بشرا لتشهدنا في أكمل الأشياء
[ ص: 288 ] وفيه : طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج فقال له الشيخ : يا بني طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين .
قال : وقيل عن
رابعة العدوية : أنها حجت فقالت : هذا الصنم المعبود في الأرض والله ما ولجه الله ولا خلا منه .
وفيه للحلاج : -
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا مستترا ظاهرا في صورة الآكل والشارب
قال وله :
عقد الخلائق في الإله عقائدا وأنا اعتقدت جمع ما اعتقدوه
وله أيضا :
بيني وبينك إني تزاحمني فارفع بحقك إنيي من البين
قال : وقال
الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول : وبهذه الإنية التي طلب
الحلاج رفعها تصرفت الأغيار في دمه ولذلك قال السلف :
الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة .
وفيه لمحيي الدين ابن عربي : -
والله ما هي إلا حيرة ظهرت وبي حلفت وإن المقسم الله
وقال فيه : المنقول عن
عيسى عليه السلام أنه قال : إن الله - تبارك
[ ص: 289 ] وتعالى - اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره
آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور
وآدم المرآة .
قال ابن الفارض في قصيدته السلوك :
وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى بغير مراء في المرآة الصقيلة
أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر إليك بها عند انعكاس الأشعة ؟
قال : وقال
ابن إسرائيل الأمر أمران : أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر الذي بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله والأمر الذي بغير واسطة لا يمكن رده وهو قوله تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=1957&ayano=16إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } .
فقال له فقير : إن الله قال
لآدم بلا واسطة : لا تقرب الشجرة - فقرب وأكل . فقال : صدقت وذلك أن
آدم إنسان كامل ; ولذلك قال شيخنا
علي الحريري :
آدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله
لآدم " لا تقرب الشجرة " ظاهرا وكان أمره " كل " باطنا فأكل فكذلك قوله تعالى . وإبليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود
لآدم فرآه غيرا فلم يسجد . فغير الله عليه وقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=979&ayano=7اخرج منها } .
وقال شخص لسيدي يا سيدي حسن إذا كان الله يقول لنبيه : {
nindex.php?page=tafseer&surano=424&ayano=3ليس لك من الأمر شيء } أيش نكون نحن ؟ فقال سيدي له : ليس الأمر كما تقول أو تظن فقوله له : {
nindex.php?page=tafseer&surano=424&ayano=3ليس لك من الأمر شيء } عين الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم
[ ص: 290 ] كقوله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1185&ayano=8وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4641&ayano=48إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } .
وفيه
لأوحد الدين الكرماني : -
ما غبت عن القلب ولا عن عيني ما بينكم وبيننا من بين
وقال غيره : -
لا تحسب بالصلاة والصوم تنال قربا ودنوا من جمال وجلال
فارق ظلم الطبع وكن متحدا بالله وإلا كل دعواك محال
وغيره
للحلاج : -
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
يشاهد حقا حين يشهده الهوى بأن صلاة العارفين من الكفر
وللشيخ نجم الدين ابن إسرائيل .
الكون يناديك ألا تسمعني من ألف أشتاتي ومن فرقني
انظر لتراني منظرا معتبرا ما في سوى وجود من أوجدني
وله أيضا : -
ذرات وجود الكون للحق شهود أن ليس لموجود سوى الحق وجود
والكون وإن تكثرت عدته منه وإلى علاه يبدو ويعود
[ ص: 291 ] وله أيضا : -
برئت إليك من قولي وفعلي ومن ذاتي براءة مستقيل
وما أنا في طراز الكون شيء لأني مثل ظل مستحيل
وللعفيف
التلمساني : -
أحن إليه وهو قلبي وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه ؟
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري وما بعده إلا لإفراط قربه
وقال بعض السلف : التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه .
ومن ذلك أيضا : التوحيد لا يعرفه إلا الواحد ولا تصح العبارة عن الواحد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له .
قال : وسمعت
الشيخ محمد بن بشر النواوي يقول : ورد سيدنا
الشيخ علي الحريري إلى
جامع نوى قال
الشيخ محمد : فجئت إليه فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال : يا بني وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود ; لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ثم وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك ; لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا .
وفيه : سمعت من
الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من
[ ص: 292 ] شيخنا
الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال يا
نجم رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرضين ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة .
فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي
الشيخ حسن بن علي الحريري : يا سيدي
حسن ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله مثل
فرعون ونمروذ وأمثالهما فقال : إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله فقلت له : صدقت ; وذلك أنه قد سمعت جدك يقول : رأيت كذا وكذا ; فذكر ما ذكره
الشيخ نجم الدين عن الشيخ .
وفيه قال بعض السلف : من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب .
فالمطلوب من السادة العلماء : -
أن يبينوا هذه الأقوال وهل هي حق أو باطل ؟ وما يعرف به معناها ؟ وما يبين أنها حق أو باطل ؟ وهل الواجب إنكارها أو إقرارها أو التسليم لمن قالها ؟ وهل لها وجه سائغ ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها إما مع المعرفة بحقيقتها ؟ وإما مع التسليم المجمل لمن قالها .
[ ص: 293 ] والمتكلمون بها هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل ؟ وهل يمكن تأويل ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى ؟ وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها ؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها ؟ بينوا ذلك مأجورين .
[ ص: 359 ]
[ ص: 286 ] سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَحْرُ الْعُلُومِ إمَامُ الْأَئِمَّةِ نَاصِرُ السُّنَّةِ عَلَّامَةُ الْوَرَى وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ .
أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تيمية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ كَلِمَاتٍ وُجِدَتْ بِخَطِّ مَنْ يُوثَقُ بِهِ ذَكَرَهَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ فِيهِمْ مَنْ انْتَسَبَ إلَى الدِّينِ. فَمِنْ ذَلِكَ :
nindex.php?page=treesubj&link=28660قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إنَّ اللَّهَ لَطَفَ ذَاتَه فَسَمَّاهَا حَقًّا وَكَشَفَهَا فَسَمَّاهَا خَلْقًا .
وَقَالَ
الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ ابْنُ إسْرَائِيلَ : أَنَّ اللَّهَ ظَهَرَ فِي الْأَشْيَاءِ حَقِيقَةً وَاحْتَجَبَ بِهَا مَجَازًا فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْجَمْعِ : شَهِدَهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَجَازِ وَالْفَرْقِ : شَهِدَهَا سُتُورًا وَحُجُبًا قَالَ : وَقَالَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ : -
لَقَدْ حَقَّ لِي رَفْضُ الْوُجُودِ وَأَهْلِهِ وَقَدْ عَلِقَتْ كَفَّايَ جَمْعًا بِمُوجِدِي
[ ص: 287 ] ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةِ غَيَّرَ الْبَيْتَ بِقَوْلِهِ : -
لَقَدْ حَقَّ لِي عِشْقُ الْوُجُودِ وَأَهْلِهِ
فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَقَامُ الْبِدَايَةِ أَنْ يَرَى الْأَكْوَانَ حُجُبًا فَيَرْفُضُهَا ثُمَّ يَرَاهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ فَيَحِقُّ لَهُ الْعِشْقُ لَهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : -
أَقْبَلُ أَرْضًا سَارَ فِيهَا جَمَالُهَا فَكَيْفَ بِدَارِ دَارَ فِيهَا جَمَالُهَا
قَالَ : وَقَالَ
ابْنُ عَرَبِيٍّ عَقِيبَ إنْشَادِ بَيْتَيْ
nindex.php?page=showalam&ids=12185أَبِي نُوَاسٍ : -
رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَاقَتْ الْخَمْرُ وَتَشَاكَلَا فَتَشَابَهَ الْأَمْرُ
فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ
لَبِسَ صُورَةَ الْعَالَمِ ; فَظَاهِرُهُ خَلْقُهُ وَبَاطِنُهُ حَقُّهُ .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : عَيْنُ مَا تَرَى ذَاتٌ لَا تَرَى وَذَاتٌ لَا تَرَى عَيْنُ مَا تَرَى اللَّهُ فَقَطْ وَالْكَثْرَةُ وَهْمٌ .
قَالَ
الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ ابْنُ سَبْعِينَ : رَبٌّ مَالِكٌ وَعَبْدٌ هَالِكٌ وَأَنْتُمْ ذَلِكَ . اللَّهُ فَقَطْ وَالْكَثْرَةُ وَهْمٌ .
وَقَالَ
الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ابْنُ عَرَبِيٍّ : -
يَا صُورَةَ أُنْسِ سِرُّهَا معنائي مَا خَلْقُك لِلْأَمْرِ تَرَى لِوَلَائِي
شِئْنَاك فَأَنْشَأْنَاك خَلْقًا بَشَرًا لِتَشْهَدَنَا فِي أَكْمَلِ الْأَشْيَاءِ
[ ص: 288 ] وَفِيهِ : طَلَبَ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمَشَايِخِ مِنْ وَالِدِهِ الْحَجَّ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : يَا بُنَيَّ طُفْ بِبَيْتِ مَا فَارَقَهُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ .
قَالَ : وَقِيلَ عَنْ
رَابِعَةَ العدوية : أَنَّهَا حَجَّتْ فَقَالَتْ : هَذَا الصَّنَمُ الْمَعْبُودُ فِي الْأَرْضِ وَاَللَّهِ مَا وَلَجَهُ اللَّهُ وَلَا خَلَا مِنْهُ .
وَفِيهِ لِلْحَلَّاجِ : -
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ ناسوته سِرُّ سَنَا لَاهُوتِهِ الثَّاقِبِ
ثُمَّ بَدَا مُسْتَتِرًا ظَاهِرًا فِي صُورَةِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ
قَالَ وَلَهُ :
عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَهِ عقائدا وَأَنَا اعْتَقَدْت جَمْعَ مَا اعْتَقَدُوهُ
وَلَهُ أَيْضًا :
بَيْنِي وَبَيْنَك إني تُزَاحِمُنِي فَارْفَعْ بِحَقِّك إنيي مِنْ الْبَيْنِ
قَالَ : وَقَالَ
الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السهروردي الْحَلَبِيُّ الْمَقْتُولُ : وَبِهَذِهِ الإنية الَّتِي طَلَبَ
الْحَلَّاجُ رَفْعَهَا تَصَرَّفَتْ الْأَغْيَارُ فِي دَمِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ :
الْحَلَّاجُ نِصْفُ رَجُلٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ الإنية بِالْمَعْنَى فَرُفِعَتْ لَهُ صُورَةً .
وَفِيهِ لِمُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِيٍّ : -
وَاَللَّهِ مَا هِيَ إلَّا حَيْرَةٌ ظَهَرَتْ وَبِي حَلَفَتْ وَإِنَّ الْمُقْسِمَ اللَّهُ
وَقَالَ فِيهِ : الْمَنْقُولُ عَنْ
عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ
[ ص: 289 ] وَتَعَالَى - اشْتَاقَ بِأَنْ يَرَى ذَاتَه الْمُقَدَّسَةَ فَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ
آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ كَالْمِرْآةِ يَنْظُرُ إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهَا وَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ النُّورُ
وَآدَمُ الْمِرْآةُ .
قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ السُّلُوكِ :
وَشَاهِدْ إذَا اسْتَجْلَيْت نَفْسَك مَنْ تَرَى بِغَيْرِ مِرَاءٍ فِي الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ
أَغَيْرُك فِيهَا لَاحَ أَمْ أَنْتَ نَاظِرٌ إلَيْك بِهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأَشِعَّةِ ؟
قَالَ : وَقَالَ
ابْنُ إسْرَائِيلَ الْأَمْرُ أَمْرَانِ : أَمْرٌ بِوَاسِطَةِ وَأَمْرٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ الَّذِي بِالْوَسَائِطِ رَدَّهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَبِلَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْأَمْرُ الَّذِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=1957&ayano=16إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .
فَقَالَ لَهُ فَقِيرٌ : إنَّ اللَّهَ قَالَ
لِآدَمَ بِلَا وَاسِطَةٍ : لَا تَقْرَبُ الشَّجَرَةَ - فَقَرِبَ وَأَكَلَ . فَقَالَ : صَدَقْت وَذَلِكَ أَنَّ
آدَمَ إنْسَانٌ كَامِلٌ ; وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا
عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ :
آدَمَ صَفِيُّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَانَ قَوْلُهُ
لِآدَمَ " لَا تَقْرَبْ الشَّجَرَةَ " ظَاهِرًا وَكَانَ أَمْرُهُ " كُلْ " بَاطِنًا فَأَكَلَ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى . وَإِبْلِيسُ كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا فَأُمِرَ بِالسُّجُودِ
لِآدَمَ فَرَآهُ غَيْرًا فَلَمْ يَسْجُدْ . فَغَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=979&ayano=7اخْرُجْ مِنْهَا } .
وَقَالَ شَخْصٌ لِسَيِّدِي يَا سَيِّدِي حَسَنُ إذَا كَانَ اللَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=424&ayano=3لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } أيش نَكُونُ نَحْنُ ؟ فَقَالَ سَيِّدِي لَهُ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَوْ تَظُنُّ فَقَوْلُهُ لَهُ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=424&ayano=3لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } عَيْنُ الْإِثْبَاتِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[ ص: 290 ] كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1185&ayano=8وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4641&ayano=48إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } .
وَفِيهِ
لِأَوْحَدِ الدِّينِ الكرماني : -
مَا غِبْت عَنْ الْقَلْبِ وَلَا عَنْ عَيْنِي مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا مِنْ بَيْنِ
وَقَالَ غَيْرُهُ : -
لَا تَحْسَبْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ تَنَالُ قُرْبًا وَدُنُوًّا مِنْ جَمَالٍ وَجَلَالٍ
فَارِقْ ظُلْمَ الطَّبْعِ وَكُنْ مُتَّحِدًا بِاَللَّهِ وَإِلَّا كَلُّ دَعْوَاك مُحَالِ
وَغَيْرُهُ
لِلْحَلَّاجِ : -
إذَا بَلَغَ الصَّبُّ الْكَمَالَ مِنْ الْهَوَى وَغَابَ عَنْ الْمَذْكُورِ فِي سَطْوَةِ الذِّكْرِ
يُشَاهِدُ حَقًّا حِينَ يَشْهَدُهُ الْهَوَى بِأَنَّ صَلَاةَ الْعَارِفِينَ مِنْ الْكُفْرِ
وَلِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ إسْرَائِيلَ .
الْكَوْنُ يُنَادِيك أَلَا تَسْمَعُنِي مَنْ أَلَّفَ أَشْتَاتِي وَمَنْ فَرَّقَنِي
اُنْظُرْ لِتَرَانِي مَنْظَرًا مُعْتَبَرًا مَا فِيَّ سِوَى وُجُودِ مَنْ أَوْجَدَنِي
وَلَهُ أَيْضًا : -
ذَرَّاتُ وُجُودِ الْكَوْنِ لِلْحَقِّ شُهُودُ أَنْ لَيْسَ لِمَوْجُودِ سِوَى الْحَقِّ وُجُودُ
وَالْكَوْنُ وَإِنْ تَكَثَّرَتْ عِدَّتُهُ مِنْهُ وَإِلَى عُلَاهُ يَبْدُو وَيَعُودُ
[ ص: 291 ] وَلَهُ أَيْضًا : -
بَرِئْت إلَيْك مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي وَمِنْ ذَاتِي بَرَاءَةَ مُسْتَقِيلِ
وَمَا أَنَا فِي طِرَازِ الْكَوْنِ شَيْءٌ لِأَنِّي مِثْلُ ظِلٍّ مُسْتَحِيلِ
وَلِلْعَفِيفِ
التلمساني : -
أَحِنُّ إلَيْهِ وَهُوَ قَلْبِي وَهَلْ يَرَى سِوَايَ أَخُو وَجْدٍ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ ؟
وَيَحْجُبُ طَرَفِي عَنْهُ إذْ هُوَ نَاظِرِي وَمَا بَعْدَهُ إلَّا لِإِفْرَاطِ قُرْبِهِ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : التَّوْحِيدُ لَا لِسَانَ لَهُ وَالْأَلْسِنَةُ كُلُّهَا لِسَانُهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا : التَّوْحِيدُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْوَاحِدُ وَلَا تَصِحُّ الْعِبَارَةُ عَنْ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلَّا بِغَيْرِهِ وَمَنْ أَثْبَتَ غَيْرًا فَلَا تَوْحِيدَ لَهُ .
قَالَ : وَسَمِعْت
الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ بِشْرٍ النواوي يَقُولُ : وَرَدَ سَيِّدُنَا
الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ إلَى
جَامِعِ نَوَى قَالَ
الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ : فَجِئْت إلَيْهِ فَقَبَّلْت الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَلَسْت فَقَالَ : يَا بُنَيَّ وَقَفْت مَعَ الْمَحَبَّةِ مُدَّةً فَوَجَدْتهَا غَيْرَ الْمَقْصُودِ ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَغَيْرُ مَا ثَمَّ ثُمَّ وَقَفْت مَعَ التَّوْحِيدِ مُدَّةً فَوَجَدْته كَذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْ عَبْدٍ لِرَبِّ وَلَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ مَا رَأَوْا عَبْدًا وَلَا مَعْبُودًا .
وَفِيهِ : سَمِعْت مِنْ
الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ إسْرَائِيلَ مِمَّا أَسَرَّ إلَيَّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ
[ ص: 292 ] شَيْخِنَا
الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيِّ فِي الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ قَالَ يَا
نَجْمُ رَأَيْت لَهَاتِي الْفَوْقَانِيَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَحَنَكِي تَحْتَ الْأَرْضِينَ وَنَطَقَ لِسَانِي بِلَفْظَةِ لَوْ سُمِعَتْ مِنِّي مَا وَصَلَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ دَمِي قَطْرَةٌ .
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةِ قَالَ شَخْصٌ فِي حَضْرَةِ سَيِّدِي
الشَّيْخِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيِّ : يَا سَيِّدِي
حَسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ أَقَلَّ عَقْلًا مِمَّنْ ادَّعَى أَنَّهُ إلَهٌ مِثْلُ
فِرْعَوْنَ ونمروذ وَأَمْثَالِهِمَا فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لَا يَقُولُهَا إلَّا أَجْهَلُ خَلْقِ اللَّهِ أَوْ أَعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ فَقُلْت لَهُ : صَدَقْت ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعْت جَدَّك يَقُولُ : رَأَيْت كَذَا وَكَذَا ; فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ
الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ عَنْ الشَّيْخِ .
وَفِيهِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَنْ كَانَ عَيْنُ الْحِجَابِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا حِجَابَ وَلَا مَحْجُوبَ .
فَالْمَطْلُوبُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ : -
أَنْ يُبَيِّنُوا هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَهَلْ هِيَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ ؟ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ مَعْنَاهَا ؟ وَمَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ ؟ وَهَلْ الْوَاجِبُ إنْكَارُهَا أَوْ إقْرَارُهَا أَوْ التَّسْلِيمُ لِمَنْ قَالَهَا ؟ وَهَلْ لَهَا وَجْهٌ سَائِغٌ ؟ وَمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ مَعْنَاهَا إمَّا مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِيقَتِهَا ؟ وَإِمَّا مَعَ التَّسْلِيمِ الْمُجْمَلِ لِمَنْ قَالَهَا .
[ ص: 293 ] وَالْمُتَكَلّمونَ بِهَا هَلْ أَرَادُوا مَعْنًى صَحِيحًا يُوَافِقُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا يُشْكِلُ مِنْهَا وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ؟ وَهَلْ الْوَاجِبُ بَيَانُ مَعْنَاهَا وَكَشْفُ مَغْزَاهَا إذَا كَانَ هُنَاكَ نَاسٌ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَلَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا ؟ أَمْ يَنْبَغِي السُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ وَتَرْكُ النَّاسِ يُعَظِّمُونَهَا وَيُؤْمِنُونَ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَعْنَاهَا ؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ مَأْجُورِينَ .
[ ص: 359 ]